التيار السوري الديمقراطي                           بالحرية والمعرفة تسد الشعوب  
 

            الصفحة الرئيسية  اتصل بنا   من نحن   العلم السوري  الدستور السوري

 

الأكراد المجرّدين من الجنسية

   
 
 

الأكراد المجرّدين من الجنسية
نحو قانون عادل لانهاء أزمة إنسانية داخلية

إعداد هفال يوسف

 


مقدمة: في البحث عن الدوافع التي أدت بحكومة الانفصال إلى إجراء الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962، نعثر على أكثر من دافع أو مبرر، منها إيقاف تسلل العناصر غير السورية، الكردية خصوصاً، إلى سوريا، ولمعرفة السوريين من غير السوريين.

في الحقيقة؛ يمكن ردّ هذه الحجج وتفنيدها بسهولة كبيرة، فيما لو توفّرت لدى الباحث معرفة جيدة بكيفية تشكّل مجتمع الجزيرة السورية، وحقيقة الأوضاع في المنطقة، سواء في فترة الانتداب الفرنسي، أو بعد الاستقلال.

نلاحظ أن الرأي العام السوري، في معظمه، يعتقد بأن الأكراد ليسوا سوريين، بل مهاجرين من تركيا، في حين أن وقائع التاريخ الحديث لا تسجّل إلا هجرة جماعية واحدة، بعد قمع النظام الكمالي في تركيا لانتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925، حيث يرد في وثائق الانتداب الفرنسي فرار 22000 كردي إلى سوريا، ولكنها [أي: الوثائق] تؤكد وجود 200.000 نسمة من الأكراد في سوريا في ذلك التاريخ.

ربما الأفضل أن يترك بحث هذه القضايا للباحثين والدارسين الأكاديميين، بعيداً عن السياسة، لنتعرّف على تاريخنا بشكل أفضل، ولكننا نريد أن نؤكد أن عشرات الألوف من العرب والمسيحيين: الأرمن والسريان والآشوريين، الذين لجؤوا إلى سوريا من العراق وتركيا، لم يتمّ تجريدهم أو حرمانهم من الجنسية، بحيث أصبح الأكراد وحدهم ضحايا ذلك الإحصاء، فلماذا؟

ندّعي أن قرار إجراء الإحصاء الاستثنائي، كان قراراً سياسياً، ولا يتعلق بتصحيح سجلات الأحوال المدنية كما يُزعم، ويوافقنا في ذلك كثير من الباحثين، بل تؤكده الوقائع التاريخية المعروفة جيداً.

نعلم جميعاً أن فشل الوحدة السورية- المصرية، أغضب الجماهير العربية، وتسبب بخيبة أمل كبيرة، وكانت حكومة الانفصال بحاجة إلى القيام بعمل ما من أجل امتصاص غضب الشارع العربي، وتوجيهه نحو (عدو) مفترض، فراحت تتحدث في وسائل الإعلام عن الخطر الكردي، وخصوصاً عندما أدركت أن المرشحين الأكراد في الانتخابات النيابية عام 1961، سينجحون بشكل ساحق. وإذا درسنا طبيعة العقيدة الإيديولوجية التي كانت تهيمن على الجو العام في حكومة ناظم القدسي، يمكننا الوصول إلى صورة أفضل عن البعد السياسي لعملية الإحصاء.

نلاحظ أن تلك الحكومة، وبعد استتباب الأوضاع لها، قد سارعت من وتيرة القمع الموجّه إلى الأكراد بشكل خاص، والبدء بدعاية إعلامية معادية لهم على أعلى المستويات، فقد قام وزير الخارجية آنذاك أسعد محاسن بجولة واسعة في أوربا لإيهام الرأي العام الأوروبي بوجود خطر كردي، تمهيداً لتنفيذ المشاريع العنصرية التي كان يتم التحضير لها، وكانت صحف مثل: القبس والفيحاء والدنيا، تحرّض على الكرد، وتحذر من خطر العنصر الكردي على الأمة العربية والوطن السوري.

يعدد م.أوسي في مؤلفه (الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة) ثلاثة أهداف، كانت حكومة الانفصال ترمي إليها عبر إجراء الإحصاء، وهي:

1- الالتفاف على التدابير التقدمية التي أنجزتها حكومة الوحدة.
2- صرف أنظار القوميين العرب عن التطلع إلى السلطة.
3- التغطية على تهجير يهود الجزيرة إلى إسرائيل عبر تركيا.
في رأينا؛ الأمر أعمق وأخطر من ذلك، ويتعلق بالطبيعة العدوانية للإيديولوجية القومية التي جلبها السياسيون والمثقفون من أوربا، عبر الوسيط التركي، والتي وجدت الأرضية الخصبة لزرعها في مجتمعات ما قبل قومية، غارقة في روح العصبية، والمترافقة مع جو اليأس والإحباط والهزيمة، بحيث أدى هذا الأمر إلى تحديد شكل الدولة القائمة على مفهوم الدولة الوحيدة العنصر، مما سمح للحكومات اللاحقة لحكومة الانفصال في الاستمرار في انتهاج سياسات عنصرية وتمييزية، وهو ما يجعل من الإحصاء قضيةً وطنية وحضارية وإنسانية، وليست متعلقة بالأكراد فحسب.

فلو عدنا إلى الوثائق والقرارات المتعلقة بالموضوع، سنجد الكثير مما يؤكد وجهة نظرنا هذه، فنلاحظ، مثلاً، أن الإحصاء أُجري في محافظة الحسكة وحدها، دون بقية محافظات القطر، وفي يوم واحد فقط، حيث أصدرت حكومة الانفصال مرسوماً تشريعياً يحمل الرقم /93/ بتاريخ 23/8/1962، ورد فيه:

المادة الأولى: يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية.

المادة السادسة: عند الانتهاء من عملية إحصاء السكان في محافظة الحسكة تشكّل لجنة عليا بمرسوم جمهوري بناءً على اقتراح وزير الداخلية لدراسة نتائج الإحصاء وتقرير تثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه، وإعداد التعليمات اللازمة بذلك.

كانت نتيجة هذا المرسوم تجريد 120.000 مواطن كردي من الجنسية، حيث اعتبروا كـ"أجانب أتراك"، وهي العبارة التي تمّ استبدالها بـ"أجانب الحسكة" فيما بعد.

ثمّ جاءت الدراسة التي قدمها محمد طلب هلال، الذي كان في رتبة ملازم أول ورئيساً للشعبة السياسية في محافظة الحسكة آنذاك، وهي الدراسة الموسومة (دراسة عن محافظة الحسكة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية)، والتي يدعو فيها إلى متابعة مشروع الإحصاء، حيث يقول:

«إن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة يتمتعون بالجنسية التركية، ولا بدّ من تصحيح السجلات المدنية، وهذا ما يجري الآن [...] إنما نطلب أن يترتب على ذلك إجلاء كل من لم تثبت جنسيته، وتسليمه إلى الدولة التابع لها. أضف إلى ذلك، يجب أن يدرس من تثبت جنسيته دراسة أيضاً معقولة، وملاحظة كيفية كسب الجنسية، لأن الجنسية لا تكتسب إلا بمرسوم جمهوري، فكل جنسية ليست بمرسوم يجب أن تناقش.. تبقي من تبقي: أي الأقل خطراً، أو تنزع من تنزع عنه الجنسية [...] وعلى كل حال، فالمهم ما يترتب على ذلك الإحصاء والتدقيق من أعمال، حيث يجب أن نقوم فوراً بعمليات الإجلاء».

ربما يفيدنا الإطلاع على هذه الدراسة، من أجل معرفة الجو العام الذي كان سائداً في بنية وتكوين النظام السوري آنذاك، ولا نبالغ إذ نقول إنه كان أقرب إلى النظم النازية والفاشية منه إلى نظام وطني بما لا يُقاس، وبدلاً من أن تتم محاكمة الأشخاص، الذين كانوا وراء هذا الخراب كله، تمت مكافأتهم، فقد أصبح محمد طلب هلال وزيراً للتموين، فنائباً لرئيس الوزراء، فوزيراً للصناعة، وعضواً في أول برلمان معين بعد الحركة التصحيحية. وهكذا؛ نعرف أسباب استمرار مأساة (الأجانب السوريين) إلى يومنا هذا.

كان الإحصاء، في حقيقته، مشروعاً عنصرياً، يهدف إلى تهجير المواطنين الأكراد من سوريا، ولا علاقة له بتصحيح الجنسية، والدليل يكمن في مئات، بل آلاف، الحالات التي تثبت ذلك، فالإحصاء كان عشوائياً، ولم يعطَ الوقت الكافي لإنجازه، بالإضافة إلى نوايا مشرّعيه ومنفذّيه، ولذلك نرى تناقضات صارخة، تدحض كل الادّعاءات في هذا الخصوص، وهاكم بعض الأمثلة على ذلك:

1- تجريد الجنرال توفيق نظام الدين، الذي كان رئيساً للأركان العامة في سوريا، من الجنسية السورية، وكذلك شقيقه عبد الباقي نظام الدين، الذي كان وزيراً ونائباً في البرلمان، بحيث تحولت عائلة نظام الدين برمتها إلى أجانب بين ليلة وضحاها.

2- تجريد أفراد عائلة إبراهيم باشا المللي من الجنسية السورية، مع العلم أنّ إبراهيم باشا من الأعضاء المؤسسين للمجلس التأسيسي للبرلمان السوري عام 1928.
3- تجريد خليل بك إبراهيم باشا المللي وأبناءه من الجنسية، مع العلم أن المذكور حاصل على نوط الشرف السوري عام 1934، وكان عضواً في البرلمان أعوام 1928، 1932، 1936، 1943.
4- تجريد عائلة إسماعيل إبراهيم باشا المللي من الجنسية، مع العلم أنه كان قائد الحملة التي حررت الحسكة من النير التركي، وكان عضواً في البرلمان دورة عام 1953-1954.
5- تجريد عائلة معمو إبراهيم باشا المللي من الجنسية، وهو الذي كان من قواد الحملة التي عملت على تحرير الرقة ودير الزور من الاحتلال التركي.

لقد تعمّدنا اختيار هذه الأمثلة لوضوحها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الآلاف من المجردين من الجنسية يمتلكون وثائق عثمانية وفرنسية وسورية، تثبت كونهم أصبحوا من تابعي العائدية السورية بعد اتفاق ترسيم الحدود بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي، ومع ذلك مازالوا يعتبرون أجانب، مع العلم أن قانون الجنسية السوري، الذي سنتطرّق إليه لاحقاً، لا يحتاج إلى وثائق من هذا النوع من أجل الحصول على الجنسية السورية.

في الحقيقة؛ لو أردنا الحديث عن استحقاق الجنسية من عدمه، وفق المنطق المطبّق على الأكراد، فسنكتشف أن نصف السوريين لا يستحقون الجنسية، حيث أن أكثر من نصف العشائر العربية يعودون في أصولهم، البعيدة والقريبة، إلى العراق أو الأردن أو منطقة الخليج العربي، ولم يظهر وجود لبعضهم إلا في الخمسينيات، دون أن نغفل عن العشائر التي قطنت سوريا منذ قرنين تقريباً. وكذلك؛ معظم الأرمن في الجزيرة وحلب إنما فرّوا إلى سوريا بعد مذابح عام 1915 كما هو معروف للجميع، والأمر نفسه يتعلق بالسريان والآشوريين القادمين من تركيا، في حين أن الآشوريين من العراق، الذين فرّوا من الاضطهاد في ظل حكم الملك غازي، قد استوطنوا في منطقة تل تمر والقرى التابعة لها، في محافظة الحسكة. ونجد أنّ الحالة هذه تتكرر في جنوب سوريا، والمتعلقة بالعشائر والعائلات، ذات الأصول الأردنية مثلاً، والتي تقطن سهل حوران.

يتعلق الأمر بإدراك أن سوريا، ككيان سياسي، حديث العهد نسبياً، وعندما كان السكان الأكراد يتنقلون بين نصيبين والقامشلي، أو العرب بين الموصل ودير الزور مثلاً، فإنهم كانوا يتنقلون ضمن حمى العشيرة، التي لم تكن تحتكم للحدود السياسية، التي لم تكن موجودة في ظل الإمبراطورية العثمانية. ولقد استمرّت التنقلات، ذات الطابع الفردي عموماً، لسبب أو لآخر، بين طرفي الحدود، حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين تقريباً، ولذلك يمكن العثور على قسم من الأكراد يعودون في جذورهم إلى بلدات تركية متاخمة للحدود السورية، وهو الحال نفسه بالنسبة للمسيحيين والعرب البدو، ولكننا لا نعثر على أشخاص لا يحملون الجنسية السورية سوى بين الأكراد، مما يؤكد أن قرار الإحصاء كان سياسياً، ويهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة، ضمن سلسلة سياسات التعريب المعروفة، مما كان له أسوأ الآثار لا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان فحسب، بل على التطور العام للمجتمع السوري برمّته، وهو ما أدركه الأتراك بعد فوات الأوان، ولم تدركه الحكومة السورية حتى الآن.

تبعات الحرمان من الجنسية:
غني عن البيان القول إن حرمان الإنسان من الجنسية لا يحرمه من كافة حقوقه المدنية، بل يعدمه تماماً، أي يعتبر غير موجوداً، وبالتالي فإنه يفقد اعتباره الإنساني والحقوقي. لقد أدى تجريد السكان الأكراد من الجنسية إلى عدد لا يحصى من المظالم، حيث توقف تسجيل حالات الزواج، وتسجيل الولادات الجدد، مما أدى إلى ترقين قيودهم، بحيث تمّ اعتبار هؤلاء الناس وكأنهم غير موجودين، ونقصد مكتومي القيد، حيث تمّ حرمانهم من كل ما قدّمته الدولة لبقية المواطنين، الأمر الذي يعدّ تمييزاً مهيناً ومذلاً لهم، وعاراً على الدولة في الآن ذاته، فقد حُرموا من حق التعليم، والرعاية الصحية، والعمل، والسفر، امتلاك العقارات السكنية والتجارية، أي باختصار كل ما يمكن تسجيله في دوائر الدولة ومؤسساتها، ولذلك نجد أن معظمهم يمارسون الأعمال الحرة كالتجارة والأعمال اليدوي المختلفة، في حين هاجر من استطاع خلسة، وذلك بعد التخلي عن معظم ممتلكاتهم للمهربين.

أما جوانب الحرمان فهي لا تحصى تقريباً، ولذلك نورد الأمثلة التالية:
1-الحرمان من كافة الحقوق المدنية (كحق العمل، حق التملك، حق الانتخاب والترشيح، حق الانتساب إلى النقابات..).
2-الحرمان من الانتفاع من قانون الإصلاح الزراعي الذي وزعت بموجبه الأراضي على الفلاحين، وتم توزيع أراضيهم على آخرين من مناطق أخرى.
3-الحرمان من حق الاستفادة من البطاقة التموينية.
4-الحرمان من تسجيل زوجاتهم وأولادهم باسمهم، وحتى البيت الذي يقطنوه ليس بإمكانهم أن يسجلوه باسمهم.

طريق الحل:
إنّ حل مسألة المجردين من الجنسية، يمكن أن يشكّل بداية ضرورية لحلّ ما يسمّى القضية الكردية، لأننا نستطيع إجمال هذه القضية في ثلاثة جوانب:

1- إعادة الجنسية لمن جُرِّد منها، ومنحها لمن لا يملكها، سعياً إلى إزالة كافة الأشكال التمييز بين المواطنين، وكذلك العمل على إدماج الأقلية الكردية في النسيج الاجتماعي والوطني السوري بصورة حقيقية، والتوقّف عن التعامل معهم كغرباء، لأن هذه المعاملة تدفعهم إلى البقاء ضمن أجواء الحلم الكردي الذي لم يتحقق. في حين أن معاملة قائمة على المساواة، ستكون المدخل الوحيد للأكراد لاعتبار الهوية السورية هويةً نهائية.
2- السماح للثقافة الكردية بالوجود، وذلك من خلال التعامل مع الثقافة الكردية كجزء هام من الثقافة الوطنية، مما يمكن أن يساهم في تطوير رؤية جديدة ومختلفة لدى الشعب السوري برمّته، والدليل على ذلك التطور والتنوع الذي حدث لثقافة العرب البدو، نتيجة الاختلاط مع الكرد والآشوريين والسريان، والعكس صحيح كذلك.

3- البدء بانتهاج سياسات لامركزية فيما يتعلق بالحاجة إلى تجاوز واقع التخلف، والعمل على نقل المنطقة إلى حالة مدنية، الأمر الذي سيساهم، بالضرورة، في تطوير العلاقات الاجتماعية بين السكان، وصولاً إلى الانتماء المواطني كأساس في تعريف الإنسان بنفسه.

وهكذا؛ ننتهي من مشكلة كبيرة تزعج الجميع، وتهدر الكثير من الأموال والجهود دون مبرر، ونكون بذلك قد وضعنا الأسس التي ستساهم في إزالة كل العقبات والعوائق أمام الجيل القادم، الذي ستسمح له الشروط الجديدة ببناء علاقات مختلفة. وفي اعتقادنا، إن بقيت بعد ذلك بعض الأصوات التي تتحدث عن القضية الكردية، كقضية ارض وشعب، فإنها ستكون معزولة، ومعظمها تقيم خارج البلاد، في أوروبا خصوصاً، فمن الملاحظ أن الأكراد بدؤوا يدركون أن لا حلّ لقضيتهم خارج الإطار الوطني، ولذلك لم نعد نعثر على برامج استقلالية أو انفصالية حتى في البلاد التي يشكل فيها الكرد نسبة عالية، كما في تركيا أو العراق أو إيران.

آليات حلّ قضية المجردين من الجنسية:
يكمن حلّ قضية المجردين من الجنسية في عبارة واحدة: تطبيق قانون الجنسية السوري، لأننا نرى أن هذا كفيل بحل القضية، مع ملاحظة أن إعادة الجنسية للبعض، والإبقاء على قسم منهم بدون جنسية يبقي المشكلة قائمة، ولذلك تمّت الاستعانة بالدراسة التي قدّمها الأستاذ هيثم مناع من أجل حل هذه القضية، حيث ورد فيها ما يلي:

«عندما عقدت معاهدة لوزان، التي ترتب عليها وجود دولة تركيا الحديثة وانفصال البلاد الأخرى عن الدولة العثمانية القديمة بمقتضى معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى، لم يعد يصدق على رعايا تركيا والبلاد الأخرى اصطلاح الرعايا العثمانيين، وأصبح هناك منذ تاريخ العمل بتلك المعاهدة في تاريخ 31/8/1924 جنسيات مختلفة تتبع الكيانات السياسية الجديدة. وعليه فإن "الرعايا العثمانيين"، الذين كانوا يقيمون فيما عرف آنذاك بأراضي اتحاد الدول السورية، خضعوا لأول قانون للجنسية خاص بالسوريين مؤرخ في 30/8/1924، حيث أصدر المفوض السامي الفرنسي القرار رقم /2825/ المتضمن إثبات الجنسية السورية بملء الحق وبقوة القانون لكل من يقيم في الأراضي السورية وفق قاعدة حق الأرض. وقد تبعه بعد أشهر قرار المفوض السامي رقم 16/س في تاريخ 19/1/1925 بشأن التابعية السورية. وكلا القرارين يشكل قراءة مقتبسة من المشرع الفرنسي. وعلينا انتظار الاستقلال لقراءة أول قانون للجنسية أعده حقوقيون سوريون يحمل الرقم 98 وقد صدر في 21/5/1951. وقد تبعه قانون الجنسية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 21 تاريخ 24/2/1953. والذي عّدل بالقانون رقم 492 تاريخ 16/2/1957. وحتى هذا التعديل يمكن القول أن قوانين الجنسية في سورية هي قراءة عربية تعتمد النسب الأبوي أولاً، وتأخذ بعين الاعتبار وضعية المرأة في الفقه الإسلامي، وبعض القواعد من المشرع الفرنسي. وسيكون أول تفاعل بين قانونين عربيين للجنسية في القانون رقم 82، الصادر في 22/7/1958، والذي أقر في ظل الجمهورية العربية المتحدة (سورية ومصر)، وأعده قانونيون مصريون وسوريون. ولم تلبث حكومة الانفصال أن أصدرت قانون الجنسية الصادر بالمرسوم التشريعي 67 في 31/11/1961. وبعد استلام حزب البعث السلطة، صدر المرسوم التشريعي رقم 276 تاريخ 24/11/1969 الذي ينص على قانون الجنسية الساري المفعول حتى يومنا الراهن مع التعديلات اللاحقة.

نصت الدساتير السورية المختلفة على تنظيم الجنسية في القانون، وجاء في دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973 ما يلي:

المادة 43: ينظم القانون الجنسية العربية السورية، ويضمن تسهيلات خاصة للمغتربين العرب السوريين وأبنائهم ولمواطني أقطار الوطن العربي.
أما بالنسبة للقانون السوري الحالي (المرسوم 276/ تاريخ 24/11/1969) فهو يعتمد أولاً على مبدأ حق الدم Jus sanguinis وقد جاء في المادة الثالثة منه:

يعتبر عربيا سوريا حكما:
آ- من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري.
ب- من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونا.
ج- من ولد في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما، ويعتبر اللقيط في القطر مولودا فيه وفي المكان الذي عثر عليه فيه ما لم يثبت العكس.
د- من ولد في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.
هـ - من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية ولم يكتسب جنسية أخرى ولم يتقدم لاختيار الجنسية السورية في المهل المحددة بموجب القرارات والقوانين السابقة. ويسري حكم هذه المادة ولو كان الميلاد قبل تاريخ العمل بهذا المرسوم التشريعي.

وفي فصل التجنس نجد في المادة الرابعة جواز "منح الأجنبي الجنسية بمرسوم بناءً على اقتراح الوزير، وعلى طلب خطي يقدمه الطالب يشترط فيه كامل الأهلية، والإقامة المتتالية خمس سنوات في القطر، والخلو من الأمراض السارية والعاهات المانعة من مزاولة مهنة، وحسن السلوك، وعدم وجود حكم قضائي، وامتلاك اختصاص أو خبرة والإلمام باللغة العربية قراءة وكتابة.

وتنص المادة الثامنة من القانون على منح الزوج الجنسية لزوجته بقرار وزاري. وفي المادة 16 أحكام تسهيلية خاصة بتجنيس أبناء البلدان العربية، ودائماً بقرار من وزير الداخلية.

ومنذ 25/2/1976، أي صدور القرار 92 يكلف رئيس إدارة الهجرة والجوازات /فرع الجنسية/ ورؤساء فروع هذه الإدارة في المحافظات بقبول طلبات التجنس والاسترداد والتخلي والاختيار وإسقاط الجنسية العربية السورية وكل ما هو منصوص عليه في المرسوم التشريعي رقم 276 تاريخ 24/11/1969، وذلك بموجب إيصال يعطى لصاحب العلاقة. وقد عدلت الفقرة المتعلقة بامتلاك اختصاص أو خبرة بمن لديه وسيلة مشروعة للكسب، أو يملك ما يغنيه عن مساعدة الغير. وقد ارتأى المشرع السوري، نتيجة انتشار السوريين في كثير من بلدان العالم واضطرارهم لاكتساب جنسية أخرى لقضاء المصالح الخاصة، عدم تطبيق عقوبة الغرامة أو الحبس لمن يتجنس بجنسية أخرى دون موافقة حكومته السارية حتى عام 1961. وعدم تطبيق هكذا عقوبة إلا عند اقتضاء المصلحة مع وضع نص يجيز التجريد من الجنسية العربية السورية بمرسوم بناءً على اقتراح وزير الداخلية.

وقد نص المرسوم التشريعي رقم 17 تاريخ 13/2/1972 في الفقرة الثانية من المادة الأولى على:
«كل عربي سوري تجنس بجنسية أجنبية بناءً على طلبه قبل السماح له بالتخلي عن الجنسية، يظل متمتعاً بها من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، إلا إذا رؤي تجريده منها تطبيقاً لحكم الفقرة (آ) من المادة 21، ويعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، وبالغرامة من خمسمائة ليرة إلى ألفي ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وقد جرت قوننة الزواج من أجنبيات للسوريين والفلسطينيين المقيمين في سورية بحيث تطلبت موافقة مسبقة من وزير الداخلية (المرسوم التشريعي رقم 272 تاريخ 4/11/1969)، وجرى تعليل الأمر بالمترتبات القومية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والأمنية على الزواج بأجنبيات.

وقد نظمت القوانين حقوق وواجبات المتمتعين بالجنسية، أو المحرومين منها، وفي مقدمة ذلك حق الانتخاب والترشيح على جميع مستويات المجالس المعنية محلية أو وطنية (قانون الانتخابات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 26 تاريخ 14/4/1973 وكل ما تلاه) وحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم (قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لعام 1945 والقانون رقم 393 15/5/1957). كذلك ما يتعلق بقانون التأمين والمعاشات لموظفي الدولة المدنيين (المرسوم التشريعي رقم 19 تاريخ 26/11/1961) وملاك وزارة الخارجية وشروط تملك غير السوريين (المرسوم التشريعي 189 تاريخ 1/4/1952 المعدل بالمرسوم التشريعي 123 تاريخ 6/10/1952).

الالتزامات الدولية:
وقعت فرنسا (دولة الانتداب في سورية عام 1930) على اتفاقية لاهاي التي، وإن تركت أمر الجنسية للتشريع الخاص بكل دولة، فقد حثت في المادة 15 على إعطاء الأطفال المولودين لآباء بدون جنسية، جنسية البلد التي ولدوا فيها. وقد صوتت الجمهورية السورية في 1948 على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نص في المادة 15 على مبدأين أساسيين: الأول، حق كل فرد بالتمتع بجنسية ما. والثاني، عدم جواز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

وقد انضمت الجمهورية العربية السورية للاتفاقية الدولية المتعلقة بجنسية المرأة المتزوجة، المصدق عليها من قبل هيئة الأمم المتحدة في عام 1957. واعتبر القانون السوري من ولد في سورية من أم عربية سورية ولم يثبت نسبه إلى أبيه قانوناً عربياً سورياً.

ويمكن القول أن أهم التزامين لسورية على الصعيد الدولي يتعلقان بحق الجنسية يكمنان في:

أولاً: توقيع سورية على جملة الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الطفل، وتحديداً الإعلان العالمي للدفاع عن حقوق الطفل 1959، الذي أكد في المبدأ الثالث على إجماع الدول على حق الطفل في الحصول على الجنسية عند الولادة بصرف النظر عن كون والديه عديمي الجنسية أم لا. واتفاقية حقوق الطفل (التي وقعتها سورية في 13/06/1993)

ثانياً: تصديق سورية على العهدين الخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عام 1969. ولا نجد في هذا التصديق أي تحفظ يتعلق بالمواد الخاصة بالجنسية».

عند مراجعة هذه المواد، سواء في قانون الجنسية السوري، أو في المواثيق الدولية، التي وقعت سوريا عليها، نلاحظ أنّ كل الأكراد المجردين من الجنسية يستحقون الحصول عليها، بلا استثناء، ولذلك نوصي بمنحها للكلّ كحلّ نهائي لهذه القضية.

الآن؛ إذا توفّرت النوايا الحسنة فيما يتعلق بهذه القضية، ينبغي أخذ بعض الملاحظات بعين الاعتبار لأسباب سنذكرها في محلها.

يميل الأكراد إلى عدم الثقة بالحكومة بسبب الصراعات التي دخلوها مع الحكومات المتعاقبة، ولذلك تحتاج الحكومة إلى إعادة اكتساب هذه الثقة، وذلك عبر الإعلان عن بدء حل مشكلة المجردين من الجنسية، حيث يمكن الاستعانة بالسياسيين والمثقفين الأكراد في هذه الناحية، من أجل تشكيل لجان مدنية (وليست عسكرية أو أمنية) لإقناع السكان بجدية الحكومة وحقيقة الموضوع، لأن السكان يخافون، عادةً، عندما يحدث الأمر بطريقة التحقيق البوليسي، بسبب التجربة المريرة فيما يتعلق بهذا الجانب.

يُفضل أن يتمّ توظيف كوادر كردية أو تتقن اللغة الكردية أثناء عملية التسجيل، بسبب الأمية العالية في بعض المناطق، وحيث أن الجيل الكبير السن، في معظمه، لا يتقن اللغة العربية. بالإضافة إلى ضرورة معرفة الموظف بتهجئة الأسماء الكردية، حيث نلاحظ أخطاء كبيرة في هذا الصدد.

كما أنّ السكان لا يستخدمون أسماء القرى والبلدات الحكومية (المعرّبة)، وإنما المسميات التقليدية، ولذلك هناك حاجة لوجود جدول يضم القائمتين لكي لا يحدث إرباك كبير.

وسيكون من الأفضل لو كان عدد مراكز التسجيل كبيراً، وتجنيد موظفين نزيهين ومهذبين، من أجل تجنّب حالات الابتزاز والإهانة، التي يعاني منها المواطن الكردي بسبب المعاملة التي يلقاها من الموظفين المحليين. إن تحسين المعاملة يمكن أن يؤدي إلى نتائج بالغة الأهمية، والمتعلقة بإعادة تصحيح العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمواطنين.

وينبغي الانتباه إلى أنّ بعض الأشخاص قد يمتنعون عن التقدم للحصول على الجنسية، من أجل تجنّب خدمة العلم أو الضرائب أو غير ذلك، بسبب الجهل أو قلة الوعي، ولذلك سيكون من المفيد لو سُمح للأحزاب الكردية، التي يثق بها الأكراد نسبياً، بتوعية الناس، وخصوصاً في القرى والبلدات الصغيرة.

لواحق ضرورية:
من المعروف أن المجردين من الجنسية لم يقوموا بأداء خدمة العلم، وكذلك لم يتابعوا الدراسة، بالإضافة إلى أن ممتلكاتهم مسجلة بأسماء أشخاص آخرين، وتمّ حرمانهم من الاستفادة من الإصلاح الزراعي، ولذلك نرى أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار، من أجل إصدار قرارات استثنائية لاحقة، وبذلك تحقق الحكومة عدة أهداف دفعة واحدة، حيث أن هذه العملية كفيلة بإرضاء المواطنين، الذين قد ترتفع أصوات تطالب بتعويضهم عن سنوات الحرمان. وبالتالي؛ نرى ضرورة الانتباه إلى المسائل التالية:

1- إصدار قرار يسمح لمكتسب الجنسية تأجيل الالتحاق بالخدمة مدة عامين على الأقل، ريثما يتمكن من ترتيب أوضاعه، لأننا نعلم أن هناك في كثير العائلات، سيوجد عدة إخوة في سن الخدمة، وهذا ما لا تطيقه العائلة اقتصادياً ومعيشياً، ولذلك يمكن دراسة كل حالة على حدة، ليلتحق أفراد الأسرة بالخدمة بشكل تدريجي.

2- نعلم أن مكتومي القيد لم يسمح لهم بمتابعة التعليم الجامعي، ولذلك توجد حاجة لإصدار قرار استثنائي يتمكن بموجبه الشباب من الالتحاق بالجامعات، وإن كانوا قد حصلوا على الشهادة الثانوية منذ سنوات (يمكن تحديدها).

3- تسهيل تسجيل الممتلكات بأسماء أصحابها الحقيقيين، دون أن يترتب عليهم ضرائب مالية، باعتبار أن العملية ليست بيع وشراء، وإنما كانوا مضطرين إلى ذلك، وإلا فإن معظمهم لن يقدم على تصحيح ملكيته.

4- الأكثر أهمية من كل ذلك، يتعلق بالوضع المعيشي، حيث تمّ حرمان المجردين من الجنسية من أراضي الانتفاع الزراعية. وباعتبار أنّ الدولة تقوم، حالياً، بالتخلي عن المشروع الاشتراكي، بعد أن ثبت فشله، وتعمل على توزيع ما عُرف بمزارع أملاك الدولة على الفلاحين، نجد أن هؤلاء هم الأكثر حاجةً إلى ذلك، حيث يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال التعويض، مع الانتباه إلى أن أكراد الخارج قد يدفعون الحكومات الأوروبية إلى الضغط على الحكومة السورية من أجل دفع تعويضات هائلة، تعجز الحكومة عن إيفائها، كما يحدث في تركيا اليوم، ولذلك نجد أن هذا هو الحلّ الأمثل، والأكثر فائدةً للاقتصاد السوري كذلك، لأن هذه العملية كفيلة بحلّ جانب كبير من مشكلة الفقر والبطالة.

خاتمة:
من خلال معرفتنا الجيدة بواقع الأكراد السوريين، يمكننا التأكيد على أن حلّ المسألة الكردية ممكن، دون أن يترتب على ذلك أية تنازلات وطنية، فالأكراد، وإن كانوا، في معظمهم، يعيشون حالة كردستانية وجدانياً، كردّ فعل على سياسات التمييز والتهميش والتغريب، إلا أنهم من الناحية العملية والواقعية يعتبرون أنفسهم مواطنين، كبقية السوريين. ولكن نحب التذكير بحقيقة أن حل قضية المجردين من الجنسية غير كافٍ لوحده من أجل الانتهاء من المسألة الكردية، إذ هناك حاجة لتحقيق اندماج اجتماعي حقيقي، وذلك من خلال القيام بخطوات عملية في هذا الصدد.

ينظر الموظفون الحكوميون إلى الأكراد كغرباء، ويتعاملون معهم ككائنات أدنى، ولعلّ هذه الحالة ملحوظة فيما يتعلق بأبناء بعض عشائر البدو كذلك، حيث أنّ للموضع جانبه الطبقي، وتلك المتعلقة بالعلاقة بين المدينة والريف.

إن تنمية حقيقة ودائمة وشاملة للمنطقة، يمكن أن تبدأ بمكافحة الفساد الهائل الحجم، والعمل على بناء مؤسسات مدنية نظيفة، تهتم بمصالح المواطنين، وخصوصاً المتعلقة بالقطاع الزراعي والخدمي، من أجل إعادة إحياء الريف الذي يسير إلى الموت.

الأوضاع محزنة جداً، وتحتاج إلى معالجة جذرية وسريعة، وهذا ممكن برأينا، فيما لو توفرت الإرادة لذلك، وإلا فإننا نستطيع أن نتوقّع حدوث مفاجآت كارثية، كما حدث في آذار الماضي.

لقد آن الأوان لبعث الأمل في حياة الناس، الذين يرزحون تحت ضغوط هائلة، من أجل تخفيف أو إزالة الاحتقانات التي تنفجر بين الحين والآخر. نحتاج إلى القيام بذلك من أجلنا جميعاً: من أجل مستقبل أبنائنا.
 

هفال يوسف، كاتب سوري مهتم بالشؤون الكوردية،