المهزلة السورية الكبرى ( 1 )
حاضر سورية ومستقبلها بين المغامرين والمتآمرين والانتهازيين والحمقى
د. محيي الدين اللاذقاني

07-05-2007 23:33

 

التاريخ يزور عنوان الحدث مرتين الأولى في ظروف فجائعية والثانية أكثر تراجيدية من الأولى لكنها تلبس ثياب الكوميديا وفي حالة المسرح الرخيص لا يمكن الا أن تسمى الزيارة الثانية مهزلة أما في المسرح المنحط فهي قطعا مهزلة كبرى .
في صيف عام 2000 لم يفجع الشعب السوري بوفاة حافظ الأسد فقد كان معظمه يصلي بانتظار تلك اللحظة لكنه فجع بالاسلوب السهل الذي تم فيه تنصيب خليفته وبالطريقة الأسهل التي جرى فيها تعديل الدستور السوري ليلائم يزيد بعد معاوية فكأن مجلس الشعب دكان خياط محترف في الصالحية بدمشق أو في العزيزية في حلب يقدم لزبائنه أي شئ في اللحظة المناسبة حسب الطلب .
ولم يكن مجلس عام ألفين الذي صادق على استفتاء ولاية بشار الأولى (ترزيا ) فحسب أنما كان أيضا سيركا مضحكا أشعرنا بالخجل أمام التراث الليبرالي السوري الذي صمد واستطاع الحفاظ جزئيا على كرامة العمل النيابي بعد الأستقلال لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة مع ولادة دستور عام 1973 الذي فصله حافظ الأسد على مقاسه ليعطيه سلطة مطلقة ويجعل منه ملكا متوجا بصلاحيات لم يحلم بها حكام العالم منذ أيام لويس الرابع عشر ففي ذلك الدستور- لمن لم يطلع عليه – عشرات المواد عن الصلاحيات المطلقة الممنوحة لرئيس الجمهورية ( من المادة 84 وصولا الى المادة 114 ) وفيه ما يبيح للرئيس سن قوانين واصدار مراسيم تشريعية بوجود نواب الشعب وفي غيابهم فمجلس الشعب لم يكن منذ تلك الايام الا مسرحا مضحكا يقدم المهازل الموسمية ويرقص على الايقاع الذي يحدده رئيس الجمهورية .
مع هكذا برلمان وعلى هكذا خشبة فشلت جميع المحاولات لتقديمه على أنه رمز للديمقراطية ففي الديمقراطيات- كما يعرف حتى تلاميذ المراحل الابتدائية - بعد حريات التعبير واستقلال القضاء فصل بين السلطات ورقابة شعبية على السلطة التنفيذية وليس فيها احتكار مسبق لأكثر من ثلثي المقاعد البرلمانية - 172 من 250 - ولا نسب مقتطعة لعمال وفلاحين يمثلهم وينطق بمصالحم - حسب دستور الترزيين - حزب ليس فيه الا خريجي الجامعات والأفندية .
ويبدو لمن يعرف تاريخ مجلس الشعب السوري أن المخرجين الجدد لم يبدلوا كثيرا في النص وأن مستوى العرض الهزلي لم يتغير على مدار ستين عاما فمن يقرأ وصف حبيب كحالة في صحيفة ( المضحك المبكي ) الدمشقية لمجلس عام 1947يظن أنه يتفرج على مجلس 2007 الذي تم تنصيبه في الاسبوع الأخير من أبريل – نيسان الماضي .
يقول حبيب كحالة في وصف برلمان زمانه :( نظرت حولي وكان ما رأيته فقط رجالا لا يوحد بينهم شئ ولا يشتركون في أية مبادئ ولا يربطهم تنظيم حزبي وقد وصلوا الى البرلمان بأساليب خادعة متقنة من انتخابات فوضوية تحت ستار الحرية فكان بعضهم أميا وآخرون ادباء مرموقون وكانت لغة بعضهم الكردية او الارمنية ولا يعرف آخرون سوى التركية ،بعضهم ارتدى الطربوش وآخرون اعتمروا الكوفية وكان بعضهم من البادية أو المدينة ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار ) .
جبهة تحليل الموبقات
أما الاختراع الأهم للرئيس السوري السابق بعد ذلك الدستور وذلك المجلس العجيب فهو الجبهة الوطنية التقدمية التي جعلها بمثابة (محلل على الطريقة الاسلامية ) للديمقراطية الأسدية فحزب البعث الذي يمتلك أكثر من نصف مقاعد مجلس الشعب لا يكفي لاظهار الشعبية المطلقة للرئيس الملهم لذا لابد من اظهار البلد بمظهر تعددي عن طريق تنصيب مجموعة من الخشب المسندة المنتمية لأحزاب هزيلة رمى لقادتها بعض الفتات وحصل على موافقتهم على كل شئ في سياساته الداخلية والخارجية وتحليل جميع موبقاته الكبرى التي وصلت الى حد المذابح والتصفيات الدموية ولا أعرف أن كان هناك من يستطيع أن يدلنا على موقف واحد خالفت فيه الجبهة الوطنية التقدمية رغبات خالقها ومطعمها وكاسيهاوقائد سيركها الذي كان يعلم علم اليقين كما يعلم أبنه حاليا أنه لو طلب من قرودها تقليد مشية المانيكان أو عجينة الفلاحة لما ترددوا غمضة عين في تلبية ذلك الطلب السامي .
هذا هو المشهد السياسي المخزي الذي ورثه بشار الأسد وعض عليه بالنواجذ ولم يخجل من نفسه وهو يصبح رئيسا بتعديل دستوري مضحك وبتوقيع سريع من عبد الحليم خدام على القانون رقم 9 لعام 2000يعدل المادة 83 من دستور 73 ويضيف اليه رقعة جديدة لم يعترض عليها الاخياط واحد محترف طالب - فقط - بالحفاظ على الشكليات حفاظا على سمعة الخياطين فاتهمه رئيس مجلس الشعب – آنذاك – بأن نفسه أمارة بالسوء وهاهو رئيس المجلس ذاته وبعد أن فقد الحظوة يتحول الى منتقد لذلك المسرح الرخيص المسمى مجلس الشعب السوري والذي لعب الدور الاول فيه عند تقديم العرض الهزلي الاول .
لاحقا وبعد – مات الملك عاش الملك – وبعد تحول الجمهورية رسميا الى ( جملكية ) توالت المناصب على الوارث السعيد فأصبح وهو الذي لا يعرف عن الجندية الا أسمهافي غمضة عين قائدا عاماللجيش والقوات المسلحة وحين تأتي كل هذه المكاسب لشاب في مقتبل العمر على طبق من ذهب يعرف العقلاء أنه لن يضحي بها بسهولة وان سال الدم وبلغ الركب ومع ذلك الوضوح الذي لا يحتاج الى أدلة فقد كان في سورية من يعتقد ان الابن ليس سر أبيه وانه سيسير في طريق الاصلاح الديمقراطي فهو يافع متحمس درس في الغرب وعرف حسنات التعددية عن قرب وما الى ذلك من مسوغات سيقت لتحسين صورة الرئيس الجديد حتى أن بعض المثقفين المتملقين سخر شكسبير شخصيا في معركة تلميع ( بشار الاصلاحي الديمقراطي ) مستشهدا بالبرنس هال في مسرحية هنري الخامس الذي ورث الحكم عن أبيه وتحول من الفراغ والتشبيح واللهو والمقامرة الى المسؤلية وصار حاكما ممتازا حسب المسرحية .
تلك كانت صورة الوارث عن بعد أما عن قرب فالأقربون يعرفون أن الاشهر التسعة التي أمضاها بشار الأسد في لندن ضاعت في منزل الدكتور فواز الأخرس (ما بين ايلينغ واكتون ) غرب لندن ومقر السفارة السورية في ( بلجغرافيا سكوير) وسط العاصمة البريطانية حيث كانت تعمل والدة السيدة أسماء الأخرس والدة السيدة الأولى وهي بالمناسبة - ولأن المعلومة ربما تكون ضرورية منسوبة لأسرة العطري- .
الآن وبعد سبع سنوات من الحكم المطلق وتصفية الحرس القديم والاتيان بوجوه جديدة من كل المشارب والاعمار يتبين ان المسرحية السورية ليست كالمسرحية الانجليزية وان البرنس بشار ليس كالبرنس هال فالمهم ودون الاغراق في تفاصيل شخصية لم يحن وقتها أن الرئيس الشاب خيب ظن المتفائلين بقدرته على التغيير وأظهر في أكثر من مناسبة أنه أكثر تحجرا من رجال الحرس القديم الذي كان يزعم في الفترة الأولى لحكمه أنهم يعيقون عمله ويوقفون تنفيذ القرارات التي يتخذها لتحسين معيشة المواطنين والسير بالبلاد قدما نحو الديمقراطية .
وتفيد مصادر مقربة من( العائلة المالكة) في الجملكية العربية السورية ان الشخص الوحيد الذي كان يوقف قرارات الرئيس هو خاله محمد مخلوف وقد كان لتدخله وايقافه واحد من تلك القرارات آثارا مدمرة على سورية وعلى بشار نفسه فحين أوقف الخال عقدا بتروليا لشركة فرنسية وعد الرئيس السوري شيراك شخصيا بتمريره استشاط الرئيس الفرنسي غضبا وتأصلت منذ ذلك الموقف عداوته للنظام السوري تلك العداوة التي أنتجت قرارا دوليا خطيرا كان له تبعات وذيول ليس أقلها اغلاق أبواب الاتحاد الاوربي في وجه اتفاق الشراكة السوري ولا أكثرها خروج القوات السوري من لبنان بذلك الأسلوب المخزي .

هذه الأيام ومع رحيل شيراك وقدوم سركوزي يتنفس النظام السوري الصعداء بعد تلك الورطة التي لاتنسى ويوحي وقبل أن يستريح سركوزي في الاليزيه بأنه الأقرب لفرنسا ويدلل على ذلك بالعلاقة الوطيدة التي تربط آصف شوكت الرجل الثاني في النظام - ان لم يكن الأول – بوزير الداخلية الفرنسي الأسبق والرئيس الحالي فالاثنان رجلا أمن دفنا معا الكثير من الأسرار ويعرفان مواقع هياكل عظمية عديدة والأهم من ذلك كما يعتقد أهل بلاد تعتمد على العلاقات الشخصية أكثر من المؤسسات أن السيدة الفرنسية الاولى على علاقة ودية وطيدة مع السيدة السورية الثانية بشرى .
وقبل الاستطراد أود الاعتذار عن استخدام مصطلح ( النظام السوري ) لشيوعه فواقع الأمر أن النظام يقتضي وجود آليات ومؤسسات وطرق وادارات لصنع القرار وليس في سورية شئ من هذا انما هناك مافيا عائلية يتبدل شخوصها مع الوقت وكلما أثرى أحدهم وصار عنده بضعة مليارات أرسلوه الى الخارج ليرعى ثروات الذين بقوا في الداخل لأنهم يعرفون أن ساعتهم آتية لا ريب فيها وهم لا يريدون أن يحصل لهم ما حصل لتكارتة العراق .
أكثر القرارات حماقة
ربما كانت بعض هذه الخلفيات غائبة عن أذهان من أعتقدوا أن الرئيس السوري لن يسير في مهزلة الاستفتاء الرئاسي الى نهايتها وأنه قد يختار حلا مقبولا ويفعل كما فعل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح والرئيس المصري حسني مبارك بمعنى أن يسمح بمن ينافسه على الرئاسة شكليا في حين يضمن النجاح والفوزمستغلا ماكينة الدولة الضخمة لصالحه وتلك مسألة سهلة في بلد يفترسه الخوف وتحكمه أجهزة مخابرات متعددة لا يعرف كل جهاز ما يفعله الجهاز الآخر وهذا اختراع آخر من الاختراعات العديدة التي أخترعها الرئيس السابق ليضمن السيطرة المطلقة والتحكم الكلي ويقطع الطريق على أي تمرد وفي هذه الحالة لن يأتي التغيير الا بطريقة واحدة شرحها عضو القيادة القومية السابق شبلي العيسمي في كتابه ( النظام السوري ودوره في تردي الوضع العربي ) حين قال :
( ....عندما يستمر الاضطهاد والارهاب والعنف يتحول في نفوس المواطنين الى نقمة مكبوتة تتحين الفرص المؤاتية للتمرد والثورة وحين يتمكن الحاكم من قمعها بالعنف الوحشي يبرز هنا وهناك بعض الافراد والمجموعات الفدائية التي ترد على العنف بالعنف بعد ان سدت في وجهها كل السبل المشروعة للتعبير عن آرائها وتطلعاتها وتجد هذه الفئات الفدائية كل التعاطف والتأييد من الجماهير المغلوبة على أمرها وفي مثل هذه الأجواء فان رصاصة ثأرية تودي برئيس النظام كافية لانهائه اذا لم يزل بواحدة من الأمراض التي يعاني منها ) .
أنها ضغاث أحلام من بعثي آخر فقد السلطة والحظوة وهي حلول لايريدها الشعب السوري الذي شبع عنفا وضرب رقما قياسيا في الانقلابات وتوصل مع نخبه الفاعلة بعد مسيرة مريرة الى قناعة لا تراجع عنها وهي العمل للتغيير السلمي المتدرج دون اللجوء الى العنف لكن في هكذا ظروف تمنع فيها قوانين الطوارئ أية تظاهرة سلمية مهما كان حجمها وهدفها كيف يأتي هذا التغيير ؟ ومن يصنعه ؟
شبلي العيسمي كتب كلامه ذاك عام 1989وعينه على رئيس مريض أما الآن فالرئيس شاب وبصحة جيدة ولا يشكو الا من الغطرسة والغروروالبلاهة التقليدية المعروفة عن معظم من يعيشون في أقفاص معزولة من أبناء الأثرياء وكبار السياسيين والنجوم ومن هنا من هذا الادراك للفروق العمرية بينه وبين ولد الفال - مثلا - كان على الذين طالبوه بحل على الطريقة الموريتانية أن ينتبهوا الى أنه عاشق سلطة وليس رسول تغيير وتنوير وان كان الرئيس الموريتاني السابق قد وجد في تجربته الاستخبارية وفي سنه العظة والحكمة ليقطع الطريق مرة واحدة والى الأبد على الانقلابات فمن أين تأتي الحكمة لمراهق سياسي أتخذ ذات يوم أكثر القرارات حماقة في التاريخين السوري واللبناني وهو قرار التمديد للرئيس اللبناني أميل لحود ذلك القرار الذي خلق معظم المشاكل الحالية التي تعاني منها سورية ويعاني منها لبنان المرتبط مصيريا - لسوء حظه - بمناخ المتغيرا ت والثوابت السورية .
لقد مرت على سورية سبع عجاف وهاهوالوارث السعيد يهيئ نفسه لسبع عجاف أخرى يعرف كما تعرف أجهزته أنه قادر على تمريرهاوكسب مهزلة الاستفتاء دون رقيب أو حسيب فلاهي انتخابات ليطالب الناشطون بالرقابة عليها دوليا ولا هي من الاشكال المتعارف عليها في العمل الديمقراطية وما على المواطنين في هذه الحالة الا أن يتعاملوا معها كمسرحية هزلية من المسرحيات التي ألفوها وأن يتفرجوا ويضحكوا على زعيمهم الشجاع الذي عير الآخرين بأنهم أنصاف رجال وها هو مع كل امكانيات الدولة والحزب والعائلة والعم والخال لا يجرؤ على فتح باب المنافسة ولا يريد حتى تغيير تلك الطريقة البليدة المضحكة التي يتم اختياره والتجديد له من خلالها .
مم يخشى الرئيس ..؟
لقد قيل من قبل المروجين لعبقريته القيادية أنه كان سيلغي الطريقة البليدة – الهزلية للاستفتاء الرئاسي ويستبدلها بانتخابات صورية يخوضها مرشحون من الجبهة الوطنية التقدمية أمامه وينهزمون بالنقاط لا بالضربة القاضية حتى يبدو الأمر مقنعا للمراقبين لكن الاعتراض على هذا القرار أتى من مصدرين المجلس الملي الموسع الذي يرعى مصالح الطائفة ثم المجلس العائلي المصغر والمجلسان ليسا من مؤسسات الدولة ولا وجود رسميا لهما على الورق لكنهما شئنا أم أبينا هما اللذان يحكمان الجملكية العربية السورية أما كيف والى أي حد يصل نفوذهما فهذا ما سنحاول استبصاره في حلقة أخرى من رصدنا المتأني لهذه المسرحية الهزلية التي تم عرض فصلها الأول قبل سبعة أعوام باخراج متقن من المخرجين التقليديين خدام وقدورة أما الفصل الثاني هذا الصيف فسوف يقوم باخراجه من خلف الستار حسب آخر الترتيبات المخرج اللامع رامي مخلوف الذي يرى نفسه - بعد عمر طويل - أحق بالخلافة ووراثة الجملكية من زوج السيدة الثانية .