وجهة نظر حول المسألة الطائفية في سوريا
توفيق دنيا

02-11-2007

 

تتركز معظم النقاشات الخافتة التي يملؤها الخوف منذ زمن بعيد وحتى الآن، حول الأزمة الطائفية في سوريا، ومدى عمقها، وما تركته من احتقانات خطيرة داخل المجتمع، وحجم مسا همتها في شق مجتمعنا عموديا، ودورها في تأمين مصالح واستمرارية النظام الحاكم، ومصالح القوى التي على شاكلته ممن تعتاش على الطائفية.

عدد كبير من المواطنين يدرك عمق الأزمة وانعكاسها على الوحدة الوطنية للمجتمع، وضخامة هاجس الرعب الماثل للجميع خوفا من وقوع كارثة عند التفكير في تغير نظام الحكم. وكان قصد النظام من هذا الخوف أن يصل الى أعماق الشعب فيشله عن التفكير والعمل من أجل التغيير، و استمر يطمح ويخطط منذ البداية لخلق الأزمة وتكريسها عبر كافة الوسائل التي توفرت بين يديه على مدى السنين الطوال، هدفه ضمان بقاءه في السلطة، وتكريس حالة من توازن الرعب الطائفي تقنع الشعب بأن تغيير النظام عمل كارثي وعليه تجنبه. ومن هنا استطاع أن يضع المجتمع في مواجهة بعضه بعضا معتمدا في تنفيذ مخططه على مجموعات من المتعطشين للسلطة والمال، ممن أطلقت أياديهم لممارسة القمع والنهب وإذلال المجتمع لتحقيق هذا الهدف. فاستغل النظام الإرث الطائفي الموجود أساسا في المجتمع ووظفه في استقطاب فقراء الناس وأقلهم وعيا، وشحنهم بأفكار ومفاهيم لا تخدم من حيث النتيجة سوى شلل المتسلطين واللصوص من أركان الفساد.وكان لتركيبة الأجهزة التي سلطها النظام على الشعب من حيث أن غالبية عناصرها من أصول ريفية أقلياتية (أغلبها من الطائفة العلويه) دورا في تعزيز البنية الطائفية للنظام وتعزيز القناعة لدى الطرف الآخر بأن النظام يستند على بنية طائفية تدعمه وتحميه، وهذا شجع وسهل على الفئات الطائفية من الجهة المقابلة مهمة التحريض وتغذية التعصب الطائفي انطلاقا من ذات الأرضية التي ارتكز عليها النظام، وصار التسابق على إحياء بنى التخلف من عائلية وعشائرية ومناطقية وطائفية سمة المرحلة. فوظف الطرفين حساسية البسطاء وغرائزهم في زرع الأحقاد بعد أن تراجعت نسبيا في العقود الأخيرة، وتم استغلال هذه الحالة من قبل أطراف سياسية أخرى لها مصلحة اقتصادية في استثمار الأزمة. إضافة إلى أن النظام حرك عملاءه لقتل وتصفية معارضي النظام وبعض الأفراد المحايدين من أبناء الطائفة العلوية، أو القتل على الهوية في حالات ثالثة، في محاولة لتطويب الطائفة وحشرها في خانته، شاءت الطائفة ذلك أم أبت، هذا أولا، وأما ثانيا فان تصفية المعارضة الوطنية ضمن الطائفة العلوية أبعد من طريقه معارضة قوية كان يعتقد أنها تفقده شرعية التمثيل الطائفي للطائفة العلوية، كما يعتقد أنها تشكل خطرا كبيرا عليه نظرا لكونها تملك نفوذا مهماً في صفوف الجيش والأمن.

لم تكن لعبة القتل والتصفيات الطائفية آمنة لحافظ الأسد، فقد كادت الأوراق أن تفلت من بين يديه في مرحلة من مراحل تنفيذ الخطة. ومن ثم كادت أن تتحول اللعبة إلى كارثة تطيح به، إذ بدأت علائم ترنح النظام تظهر بشكل جلي أثر احتدام الصراع ودخوله مرحلة كسر العظم، وأثر ازدياد ساحة المعارضة الشعبية واتساعها في صفوف أبناء المدن، وانتتقالها إلي أبناء الأقليات الأخرى. حيث باتوا يشعرون أن النظام يشكل عبأ عليهم ويدفع بهم لتقديم ثمن كبير لقاء مغانم قليله، وانتقلت العدوى إلى صفوف مناصريه من العلويين خصوصا بعد مجزرة مدرسة المدفعية في عام 1979، وما أعقبها من انتشار الخوف لدى عناصر النظام وتدهور روحهم المعنوية، فقدم بعضهم استقالاتهم ونفضوا يدهم من لعبة ألأسد.

على أثر ذلك توجه حافظ الأسد إلى الشعب بخطاب مهادن قصد منه توجيه رسالتين في آن واحد الأولى وجهت إلى عموم المواطنين لامتصاص جزء من نقمتهم وتبريد غضبهم، حاول أن يؤكد من خلالها بعده عن الطائفية وعلى كونه رجل مسلم وان إسلامه صحيح لا غبار عليه، والثانية إلى أنصاره من العلويين ممن رأوا في سياسته توريطا لهم وللوطن في مشكلة سيغرق الجميع في أوحالها. مبيتا الاستفادة من مردود الفرصة التي تتيحها نتائج الخطاب و انتظارا للحظة المناسبة لتوجيه ضربة قاصمة لأعدائه من القوى الوطنية المعارضة وللإسلاميين خاصة بعد أن ازداد خطرهم. وقد أعطيت له الفرصة التي كان يبحث عنها في مدينة حماة عام 1982 فأستغل أقصى ما توفر بين يديه من العنف في محاولة لتأديب الشعب من خلال تأديب مدينة حماه.وبالمناسبة فقد تم تداول بعض الاشاعات عن تهريب جزء من سلاح الطليعة المقاتلة بعلم المخابرات العسكرية خلال الفترة التي سبقت المجزرة (أي غض النظر عن تهريب الأسلحة وتكديسها).

في شهر شباط عام 1982 شن إسلاميو الطليعة المقاتلة هجومهم في مدينة حماه وقتلوا بعض موظفي الدولة وبعض الحزبيين، فاقتنص حافظ الأسد الفرصة، ووجه ضربته إلى أبناء المدينة فقتل وجرح عشرات الألوف من المواطنين (يوجد تضارب في الأرقام) بدون تمييز، واستباح المدينة بعد أن هدم جزءا كبيرا منها كي تكون عبرة لغيرها، وأمسك بيد من حديد على خناق الوطن. وأتبع جريمته هذه بتصفيات سياسية منظمة طالت ألوفا أخرى من كافة الاتجاهات السياسية من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار ومن كافة المناطق والديانات والمذاهب. من راقب سيرة حافظ الأسد خلال مسيرته الطويلة منذ عام 1964 وأساليبه الملتوية ودخوله في مؤامرات متواصلة، يكتشف أن همه الأساسي الذي سعى إليه دائما وبأي ثمن هو بقاءه في السلطة واستمرار صعوده وتحقيق طموحه الذي لا حدود له. لا يهمه في ذلك حزب، أو طائفة، أو نظام أو أي نوع من العلاقات الإنسانية.

ففي عام 1964 كان على علم وصلة بتنظيم (حزب البعث اليساري) ونفض يديه منه عندما لاح له عدم قدرته على إنجاز أي تغيير فوقف مع الجانب الآخر. وكرر نفس الموقف أثناء انقلاب 23 شباط 1966 ولم يحسم أمره إلى جانب الانقلابيين الا عندما شعر أن الكفة مالت لصالحهم. كما يقال أنه ساهم بتشجيع سليم حاطوم وبدر جمعه على التحرك في أيلول 1966 ووعدهم بالمساعدة والوقوف معهم، وإخراج سلاح الجو لمنع القوات المناهضة من التحرك ضدهم، وعندما تحرك سليم لتنفيذ الاتفاق تخلى عنه وترك الطرفين يصطدمان ليخرج في النهاية وينقذ نور الدين الأتاسي وصلاح جديد من بين يدي سليم، ويخرج من المعركة القطب الأقوى ومركز القوة الأكبر في نظام 23 شباط.

وفي عام 1968 دبر اغتيال عبد الكريم الجندي أحد أشد أعداء حافظ الأسد وأشرسهم، على أثر صراعات حادة بين مراكز قوى النظام، فأزال بذلك عقبة كان يحسب حسابها. وبذلك أضعفت سيطرة جديد وحلفاءه على مراكز القوة في السلطة، وبات الحديث عن انقلاب قادم بقيادة الأسد متداولا في الأوساط السياسية.

بدأ حافظ الأسد في المرحلة الجديدة يركز نشاطه على محاور وعقبات سياسية أخرى كان يعتقد أنه بحاجة إلى تحييدها أو كسب ودها أو التحالف معها، وأهم هذه المحاور هي:

- تيار اللواء محمد عمران ومجموعته في الجيش، وهم كتلة من الضباط - غالبيتهم من الطائفة العلوية -كان يحسب حسابهم عند التفكير بأي تغيير في الحكم. فغازل رموزهم وضمن عدم وقوفهم ضده. وقد انحاز هذا التيار له انحيازا كاملا بعد تصفية اللواء عمران.

- سوق نفسه في بعض الأوساط على أثر انقلاب عام 1966 على أنه مناصر لوحدة الحزب ومؤيد لقيادة الأستاذ ميشيل عفلق، مدعيا أنه لم يكن يملك من خيارات صبيحة 23 شباط 1966 سوى الانحياز الى اللواء صلاح جديد.

- كلف شريكه في الانقلاب وحليفه الدائم مصطفى طلاس بالترويج له بين كبار التجار وبعض السياسيين التقليديين وأبناء الطبقة الغنية ذات الصبغة المدينية من الغالبية السنية، فقدمه على أنه الليبرالي والمخلص من حكم صلاح جديد (البعثي – الاشتراكي – العلوي - الريفي المتعصب). ففتحت الأبواب، وتلقى الترحيب والمساندة، ومهدت له السبل، خصوصا بعد أحداث أيلول 1970 وما خلفته من قرار عربي ودولي بضرورة إسقاط نظام الأتاسي - جديد (المغامر).

- تحدث الأسد بلكنة عروبية وحدوية كان المقصود منها إيصال رسالة إلى التيار الناصري ليضمن قبول هذا التيار عند وصوله إلى السلطة. وهذا يفسر استقبال الناصريون له وقبولهم الدخول في تحالف معه.

_ إن فتح الابواب على الطبقة الغنية المدينية أعطاه هدنة طويلة مع الإسلاميين واعتبروا انقلابه مرحلة أولى في التخلص من حكم البعث، وهذا يفسر استقبالاتهم الحارة له في المدن السورية التي زارها بعد نجاح الانقلاب.

إن ما سبق وقدمته لا يعني أن سورية كانت قبل هذه المرحلة مجتمعا مثاليا تعتمد فيه تقاليد المواطنة الصحيحة، خالية من كل أرث طائفي، بل العكس فلولا وجود مثل هذه الأرضية وهذا الإرث لما استطاعت شلل النظام ومثيلتها في الجهة المقابلة استغلال المسألة الطائفية بهذا المستوى من الحدة والتأجيج، فالأقليات الطائفية كانت تتعرض تاريخيا لثلاثة أنواع من الاضطهاد، ساعدت النظام لأن يوظفها لصالحه وهي:

1- الاضطهاد ذو الطبيعة المذهبية والذي اخذ شكله الحاد منذ المغول والأيوبيين وبعد احتلال العثمانيين لسوريا عام 1517واستثمار المذهبية في الترويج للاحتلال وتبرير شرعيته، وما تبعه من اضطهاد وتهجير للعلويين الى الجبال وتكفير ونفي الأقليات المسلمة الأخرى وأدلجة المذهبية واستخدامها سلاحا سياسيا، ومحاولة استقطاب الغالبية المذهبية انطلاقا من نفس الخلفية السياسية لضمان الهدوء والاستقرار، والاستيلاء على مؤسسة الخلافة لإعطاء السلطان العثماني الصفة الشرعية الدينية.

2-الاضطهاد ذو الطبيعة الإقطاعية، إذ أن غالبية أبناء الريف ومن ضمنهم أبناء الأقليات كانوا عبارة عن فلاحين أجراء أو عمال زراعيين، شبه أقنان يعملون في أراض الإقطاعيين من الأصول التركية أو الكردية أو من بقايا دويلات المماليك ممن قدموا الولاء للفاتح الجديد ووضعوا أنفسهم في خدمته. أو ممن استولوا على الأرض بوسائل أخرى مختلفة.

3 -الاضطهاد الثالث: هو الاضطهاد الذي كان المجتمع المديني يمارسه على الفلاحين والرعاة، حتى وان كان المدنيون من أبناء الطبقات المسحوقة في المجتمع. من هنا كانت الذاكرة الشعبية لأبناء الأقليات خاصة، وأبناء الأرياف عامة مليئة بالمخزون المر من الاضطهاد خلال حقبة زمنية طويلة، مما سهل على الطائفيين اللعب بهذه الورقة وتوظيفها خدمة لمصالحهم الشخصية.

هذا ولقد ساهم في تجذير الطائفية قوى مدينية تنتمي إلى الغالبية المذهبية كانت قد فقدت مصالحها -في السلطة والاقتصاد- على يدي حزب البعث، فدفعت الأحزاب ذات البنية المدينية مثل حركة الأخوان المسلمين أو بعض الأحزاب التقليدية وتمترست خلفها واستغلت بواسطتها الورقة الطائفية لتعزيز قوتها في مواجهة القادمين الجدد. لكن الحالة الطائفية بقيت إلى حد ما دون المستوى الذي وصلت إليه على يدي حافظ الأسد. الذي استطاع في البداية تحييد هذه القوى بتقديمه وعود وتطمينات لها.

لعب حافظ الأسد أوراقه بذكاء، حتى أنجز ما يسمى بنصر تشرين 1973 وتوقيع اتفاقية الجولان وبذلك حقق نقطتين هامتين لمصلحته، الأولى إنجازه (لنصر تشرين) الذي اعتبره غسلا لعاره عام 1967 وتطويبا له (بطلا قوميا) محررا. أما الثانية ففي عقده لصفقة اتفاقية الجولان التي حررته من أي التزام أمام الشعب، وأطلقت يده في تكييف واستخدام الجيش لحسم كافة الصراعات الداخلية بما يخدم نظامه. واعتبر أنه في حل من أي اتفاقات أو تحالفات داخلية مع الأحزاب و القوى السياسية تحد من حرية التصرف بالسلطة والوطن، وأصبح يشعر انه بحاجة إلى أنصار وأزلام تصفق وليس بحاجة إلى حلفاء أو شركاء، فمن قبل نال حظوة الاستمرار في (الجبهة الوطنية التقدمية) وحصل على الراتب الذي يليق واللقب والسيارة المناسبين، ومن رفض نال حظوة النفي أو الاستضافة في جحور المخابرات، أو العزل والتهميش وقصقصة الأجنحة والألسنة.

ولم تسلم أحزاب جبهة النظام من عبث حافظ الأسد، فخضوعها لم يشفع لها من أن يعمل على تفتيتها

إلى مجموعات وتنظيمات أصغر، أفقدها إمكانية الاستمرار، أو القدرة على الفعل المستقبلي.

ولشق تحالف الأحزاب والفئات المدينية لجأ النظام إلى فتح الأبواب أمام من يريد من الرموز الاقتصادية (التجار) أصحاب التأثير السياسي لأن تفيد وتستفيد، وذلك بعقد شراكات معها من خلال رموز النظام وبتحويل الوطن الى شركة مجهولة الاسم. فيضمنون له وبشكل ما تخدير الشارع المديني وتخويفه لضمان استمرار مصالح التجار المستفيدين من جهة، ومن جهة أخرى بقاء الأزلام ورموز النظام على ولائهم، من خلال الرشاوى والنهب والفساد المالي.

هكذا أقام حافظ الأسد سلطته على جناحين: ريفي أقلياتي للجيش والأمن، ومديني اقتصادي مشارك في الحكومة والإدارة تربطهم علاقات الفساد والنهب المنظم للدولة والمجتمع. أما على صعيد الكوادر الوسطى والصغيرة فقد أطلقت يدها في الابتزاز والرشوة وفرض الخوات. مما خلق بيئة فساد عام. ونهب وتهريب للثروات، وإفقار للدولة والمجتمع، وتخريب للاقتصاد، وتمزيق للعلاقات الاجتماعية، وتدمير للبيئة، وتقزيم للعلم والثقافة، وتكريس لقيم التخلف من عشائرية وطائفية ومناطقية.

ولكي يضمن حافظ الأسد استمرارية نظامه لجأ إلى الوسائل التالية إضافة إلى ما سبق ذكره من وسائل:

أولا- حاول خلق زعامات جديدة من أبناء الأقليات بديلا عن الزعامات التقليدية تدين له في وجودها واستمرار نفوذها، وخلق بدائل لهذه الزعامات الجديدة جاهزة للحلول محلها عند انتهاء صلاحيتها.

ثانيا- أوجد نوعا من التوازنات العشائرية والمناطقية والطائفية على مستوى كل طائفة أو منطقة أو أقلية وجعل مفتاح هذه التوازنات في يده وحده ولم يترك لأحد المس بهذا الترتيب أو العبث فيه. وخلق نوع من المحاصصة الطائفية والمناطقية والعشائرية ووزعها بالطريقة التي تخدم نظامه. ثالثا- حاول النظام أن يركز على أبناء المنطقة التي ينتمي إليها بالدرجة الأولى (منطقة ريف جبلة)وعلى أبناء العشيرة التي ينتمي إليها بالخصوص (عشيرة الكلبية – القراحله). وفرضهم كقيادات عسكرية وأمنية في مفاصل أساسية. وسلمهم مفاتيح وحدات عديدة في الجيش، وأجهزة الأمن، مما أعطى انطباعا بأن الطائفة العلوية تحكم سوريا، بينما وفي حقيقة الأمر كانت تواجه النظام معارضه قويه بين أبناء الطائفة العلوية، على أسس من القيم الوطنية ومن خلال الأحزاب التي ينتمون اليها، كما وترفض تخويل النظام التحدث باسمها خصوصا المثقفين والمسيسين. ولكن ورغم هذه المعارضة فان حافظ الأسد احتكر القرار السياسي بين يديه دون سواه.

من يراقب أسماء عناصر النظام الرئيسين في الجيش والأمن يجد أنهم وفي غالبيتهم العظمى ينتمون إلى أبناء المنطقة الممتدة بين نبع نهر السن ومفرق قرية القرداحة ويمتد صعودا حتى القرى التي تقع في قمة سلاسل جبال تلك المنطقة والتي لا يزيد عدد سكانها عن (240000-270000) في أقصى تقديرات عام 1996 بما فيهم سكان مدينة جبله التي بلغ تعداد سكانها في عام 1996 سبعون ألفا.أي أن سكان ريف جبله نصف هذا العدد تقريبا في عام 1976(حوالي 85000-100000)، وهي المنطقة التي ينتمي اليها أبناء عائلة الأسد، مخلوف، علي أصلان، علي دوبا، محمد الخولي، غازي كنعان، علي حيدر، توفيق جلول، شفيق فياض، حسن خليل، هاشم معلا، أحمد عبود، والعشرات الآخرين من كوادر النظام الأمنية والعسكرية.. الخ هذا على سبيل المثال لا الحصر يتبعهم الآلاف من الضباط من المرتبة الثانية والثالثة والرابعة. ففي إحصائية قمت بها في عام 1976 لأحدى قرى تلك المنطقة وجدت أن عدد سكان تلك القرية- 694 – شخصا (رجالا ونساء وأطفالا). ووجدت أن عدد الضباط وطلاب الضباط في الكليات العسكرية المختلفة من أبنائها كان 31 شخصا أي ما نسبته 0.044 من السكان وقمت وفي نفس الوقت بعمل تقدير لإحدى قرى العلويين في محافظة حماه فوجدت أن عدد سكانها حسب تقدير أكثر من شخص من أبناء تلك القرية يتراوح بين تسعة آلاف وعشرة آلاف شخص كان منهم ثلاثة ضباط أثنين منهم ضباط احتياط ثبتوا في الجيش وثالث خريج الكلية الحربية وكان منهم طالبين في الكلية العسكرية.

وبحساب النسب نجد أن المعدل فيما لو كان تعداد السكان تسعة آلاف نسمه هي: 0.00055 واذا افترضنا أن الرقم الوسطي لسكان ريف جبلة هو:

85000-100000

أي ما متوسطه 925000 فرد

وبحساب النسبة التقديرية نجد أن عدد الضباط وطلاب الضباط في عام 1976 من أبناء تلك

المنطقة هو: 92500× 0.044= 4070 ضابط وطالب ضابط في الجيش من أبناء منطقة حافظ الأسد وعشيرته.

ولحساب تعداد الضباط بين بقية أبناء الطائفة اذا كان العلويين يمثلون 13%من السكان فعليه يكون:

8500000 تعداد سكان سوريا تقريبا في عام 1976

8500000×13%=1105000 تعداد العلويين في سوريا عام 1976

1105000-92500=1012500 تعداد العلويين ماعدا سكان منطقة جبلة.

1012500×0.00055=557 وهو معدل الضباط في صفوف بقية أبناء الطائفة العلوية.

ربما تختلف النسبة من مكان الى آخر ومن قرية الى أخرى، ولكن هذه النسبة تبقى قريبة من المعدل العام. ورغم أن نسبتهم قليلة قياسا لأبناء منطقة حافظ الأسد فان ولاءهم المطلق للأسد شرط انتسابهم وبقائهم في صفوف الجيش والأمن.

من الإحصائية السابقة نصل الى النتائج التالية علما بأن عشيرة حافظ الأسد محصورة في منطقة جبلة وذات عدد قليل:

1- نسبة أبناء منطقة حافظ الأسد بما فيهم أبناء عشيرته الى الطائفة العلوية لا تزيد عن 8، 3 % من المجموع.

2- تمركز قوة النظام بين أبناء منطقته وعشيرته عامة وليس لأبناء الطائفة.

3- ان ادعاء حافظ الأسد بأن العلويين يساندون نظامه مجرد ايهام يقصد به جر ما أمكن منهم الى جانبه أولا، وإخافة الآخرين من أبناء الشعب ممن لا يعرفون التركيبة الحقيقية للنظام ثانيا.

4- أن الطائفة العلوية غير ممثلة في السلطة أكثر من غيرها من عموم الشعب اذا استثنينا منطقة وعشيرة حافظ الأسد. وان تركيز أبناء منطقته وعشيرته كان يتم على حساب أبناء المناطق والعشائر الأخرى. فهو يشركهم في المغرم ولا يشركهم في المغنم. غير أنه استفاد من بسطاء الناس كأدوات وحشرهم في خدمته مستفيدا من من التعبئة الطائفية والتعبئة المضادة، وعزل النخبة المعارضة وقمعها.

هذا ما عمق الانطباع بأن العلويين كطائفة يمسكون بتلابيب النظام ويحكمون البلد، وعمق القطيعة بين أبناء البلد الواحد، وساهم في ذلك بعض القوى السياسية المعارضة، كل على طريقته وبأسلوبه وهذا ما كان يبحث عنه حافظ الأسد ولا يعارضه.

ومن هنا أقدر توزع أبناء العلويين وأصنف انتماءاتهم السياسية على الشكل التالي:

1) - 20 % إلى 25% من بسطاء العلويين البالغين كانوا جزءا من آلية النظام أو في خدمته استطاع أن يستقطبهم ويجندهم في صفه إما طائفيا أو حزبيا وباستغلال فقرهم المدقع و اغراءات (جزرة) النظام. فمنهم صف ضباط وجنود وموظفي أمن وبعض موظفي دوائر الدولة.

2) - 20%-25% من أبناء الطائفة استساغ اللعبة واستفاد منها دون أن يساهم في خلقها أو يرفضها، ساعده على ذلك خوف الآخر واستعداده لتقديم التنازلات والمكاسب دون أن تطلب منه خصوصا بعد مجزرة حماه.

3) أما البقية فقد كانت ترفض السلوك الطائفي للنظام. بأشكال ووسائل مختلفة ومتدرجة تبدأ على طريقة أضعف الأيمان وتنتهي بالنضال السياسي والذهاب إلى السجون والمنافي.

وفي ملاحظات عامة لا نملك فيها أية إحصاءات دقيقة فان معارضي النظام ممن دخلوا السجون أو شردوا أو تمت ملاحقتهم سياسيا منذ عام 1970 وحتى الآن، من غير المنتمين الى التنظيمات الإسلامية، ينتمون في غالبيتهم الى الطائفة العلوية أو أبناء الأقليات الأخرى المتعاطفة مع النظام. منهم من مات تحت التعذيب أو من قضى أكثر من 27 سنة، ومنهم من مات سجينا، وهناك المئات من السجناء ممن قضوا أكثر من خمسة عشر عاما في المعتقلات والسجون. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن معارضي النظام من أبناء الأقليات عموما وأبناء الطائفة العلوية خصوصا واجهوا قمعا وضغطا مزدوجا. فهم معارضون لنظام يطلب منهم الموالاة ويفترضها فيهم، نتيجة لنزعته في استغلال الطائفية، ولذا فهم بالنسبة له خوارج متمردون، وعليه فهم يستحقون أقسى العقوبات، وهم في نفس الوقت موضع شك واتهام بالعمالة للنظام من قبل شرائح لا بأس بها من المعارضة وخاصة الاسلامية، وان البعض يبالغ فيؤكد أن دورهم المعارض مرسوم لهم من قبل قيادات الطائفة والنظام، وبالتالي فان معارضتهم ليست سوى تمثيلية للإيقاع بالآخر.

وأخيرا فقد بدأت دائرة المعارضة لنظام الأسد وطائفيته تتسع بين صفوف العلويين وتزداد ادانة السياسات المتبعة احتجاجا على الطريقة التي يتعامل بها مع بقية المواطنين، لكنني أعتبر أن حجم الرفض أقل من المطلوب، ودون المستوى اللازم لاسقاط النظام. وتعليل ذلك أن الكثير من المعارضين العلويين مسكونون بالخوف من أن يدفعوا الثمن مرتين، مرة عندما عاقبهم حافظ الأسد، ومرة أخرى عقابا لهم عما فعله حافظ الأسد. هذه واحده أما الأخرى فان النظام خلق على الأرض واقعا اساسه وجود عشرات الألوف من صغار ومتوسطي العسكريين والموظفين في دوائر الأمن والدولة يعتاشون من وظائفهم، وأصبحت لهم منازل ومواطن استقرار جديدة يعيشون فيها منذ أكثر من أربعين عاما فيخشون على أنفسهم في حال سقوط النظام من أن يفقدوا كل موارد حياتهم واستقرارهم. ولقد حرص النظام على تضخيم هذا الخوف في نفوس هذه الفئة من الناس. لذا أعتقد أن الحكمة والمخرج يكمن في علاج عقلاني لهذه المسألة، وتطمين لهذه الفئة لعزلها عنه وسحب تأييدها له.

__________

* كاتب سوري