لبنان: المحافظة السورية الخامسة عشر!
شاكر النابلسي
ايلاف 28/01/2008

منذ دخلت القوات السورية لبنان عام 1976 بطلب من الجامعة العربية، لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وفك الاشتباك بين القوى اللبنانية المتحاربة، قال الراحل حافظ الأسد في سرِّه: "اليوم استعدنا لبنان المسلوخ عنا عام 1920". فقد حاولت سوريا قبل هذا التاريخ إفشال مهمة "القوات العربية" التي كانت في لبنان لفكِّ الاشتباك بين القوات اللبنانية المتصارعة في الحرب الأهلية (1975-1990) لكي تحلَّ القوات السورية محلها، لكي تكون سوريا هي اللاعب الأساسي الوحيد في لبنان. وقال باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في الشؤون السورية ومؤلف كتاب (الأسد: الصراع على الشرق الأوسط) أن الأسد منذ أن قام بانقلابه على جماعة صلاح جديد، وضع في اعتباره إخراج سورية من كونها لعبة بأيدي الآخرين من إقليميين ودوليين إلى كونها لاعب أساسي في المنطقة إلى جانب اللاعبين الآخرين الإقليميين والدوليين. لذا، لم يتردد الأسد لقبوله دور الشرطي، ورجل الأمن في لبنان. فكان لبنان بذلك أول دور يُسند للعبة، التي تحوّلت إلى لاعب. وبشخصية التاجر السوري الشاطر والحاذق، أيقن الأسد، بأن دخول جيشه إلى سوريا هو تحقيق ما عجز عن تحقيقه صدام حسين في الكويت فيما بعد، مع الفارق الكبير بين الكويت المتصالح مع نفسه، ولبنان المتحارب والمتنازع مع نفسه. كذلك، فإن لبنان كان هدية العرب إلى سوريا المفلسة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً في ذلك الوقت، بعد أن خرجت من حرب 1967 وحرب 1973 منهكة القوى، لا تقوى على لثم جراحها.


لبنان: من قبضة اليمين السورية إلى قبضة اليسار
وقد استغلت سوريا وجودها في لبنان طيلة ثلاثين عاماً (1976-2005) بأن حسبت حساباً ليوم خروجها، وكانت تعلم بأن جيشها سوف يجلو يوماً ما عن لبنان، عندما تتغير المعادلات السياسية في المنطقة. وهكذا كان. فخرجت سوريا بجيشها من لبنان في 2005 فقط، وبقيت سوريا سياسياً وأمنياً وبقوة شديدة في لبنان. لذا، فمنذ أن احتلت سوريا لبنان عام 1976 عملت على بناء قواعد سياسية وأمنية مكينة لها، إضافة إلى قواعد اقتصادية، معتبرةً لبنان طيلة ثلاثين عاماً البقرة الحلوب. فتضامنت مع حزب "المردة" بقيادة آل فرنجية، وتضامنت مع المسيحيين الارثودكس بقيادة ميشال المُرّ، وتضامنت بالطبع مع حزب البعث العربي الاشتراكي- فرع لبنان، وتحالفت مع الشيعة ممثلين بحركة "أمل" ثم "حزب الله"، وتضامنت مع "الحزب الاجتماعي القومي السوري"، وحزب "الطاشناق" الأرمني. ثم استطاعت بعد انسحابها العسكري وانتقال لبنان من قبضتها اليمنى إلى قبضتها اليسرى، أن تكسب إلى جانبها "التيار الوطني الحر" بقيادة ميشال عون مع وعد بتقليده رئاسة الجمهورية (وعون هو من سيكون رئيس الجمهورية، بعد الانتخابات النيابية القادمة حيث يصبح هو زعيم الأكثرية، ولذا تلجأ سوريا إلى تعطيل انتخاب الرئيس الآن إلى ما بعد هذه الانتخابات، وسحب ثقتها بذكاء سياسي شديد من ميشال سليمان). وهكذا كونت سوريا لنفسها قاعدة سياسية كبيرة ومكينة تسندها مليشيات حركة "أمل" و"حزب الله" المسلحة سورياً وإيرانياً تسليحاً جيداً أفضل بكثير من تسليح الجيش اللبناني، الذي حارب مدة ثلاثة أشهر متواصلة لكي يقضي على شلة من "فتح الإسلام" الإرهابية في مخيم نهر البارد.
وقد ظن اللبنانيون وخاصة ما يعُرف بـ "قوى 14 آذار"، بأن انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005 سوف يكون عيد الاستقلال الثاني كما أطلقوا عليه. ولم يكونوا يعلموا بأنهم ما زالوا في القبضة السورية ولكنها هذه المرة باليسار لا باليمين، كما كانوا قبل انسحاب الجيش السوري من لبنان. وهو ما عبر عنه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع من "أن سوريا بعد 2005 أصبحت في لبنان أقوى مما كانت عليه قبل 2005". وأن سوريا قادرة على فعل ما يحلو لها في لبنان، كأية محافظة سورية أخرى.
فها هي قد عطلّت انتخاب رئيس الجمهورية فيما يبدو أن هذا التعطيل سيستمر إلى الانتخابات النيابية اللبنانية القادمة 2008 لكي تتغير موازين القوى اللبنانية وتصبح الأقلية الحالية أكثرية وبالعكس.
ثم ها هي تسحب تأييدها وتأييد حلفائها في لبنان لترشيح العماد ميشال سليمان بعد أن تبين أنه زار السعودية سراً، وأن هواه أصبح أمريكياً، كما قال المعلق السياسي البريطاني باتريك سيل (لماذا فقدت دمشق ثقتها بالعماد ميشال سليمان؟ "الحياة" 25/1/2008).
وها هو الرائد في الأمن العام "وسام عيد" والمسئول عن ملف الإرهاب في الأمن العام اللبناني يُقتل مع عشرة من المواطنين يوم وصول فيروز إلى دمشق.

زياد الرحباني يردُّ على منتقدي فيروز
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، ولكي يفهم الناس سبب ذهاب فيروز للغناء أما طغاة دمشق، فقد سبق زياد الرحباني والدته (فيروز) قبل وصولها إلى دمشق، وهو الذي يعتبر من أشهر الملحنين الغنائيين في بيروت الآن وواجهة الرحابنة الفنية، فردّ على منتقدي ذهاب فيروز للغناء لطغاة دمشق، فغنّى غناءً ساذجاً لحلفاء دمشق اللبنانيين، في الأهزوجة التي نشرتها له "الأخبار" البيروتية (الموالية لسوريا وللمعارضة اللبنانية) في 24/1/2008، وهي تمثل الردَّ الواضح والصريح على كل من طالب فيروز بعدم الغناء للطغاة في دمشق، وتفسّر سبب حماس فيروز للذهاب إلى دمشق. وهذا السبب بالدرجة الأولى هو رغبة ابنها الوحيد زياد الرحباني، كما هو واضح من هذه الأهزوجة، التي يمتدح فيها المعارضة اللبنانية الموالية لدمشق، ويكشف فيها عن هواه السياسي، ويوبخ فيها الأكثرية المضادة لدمشق، وبالأسماء الصريحة. ويُبشر اللبنانيين بأن قوى "14 آذار" لن تصمد.
يقول زياد الرحباني في أهزوجته التي هي بمثابة ردّ على منتقدي والدته (فيروز) لذهابها للغناء في دمشق:

إنَّا نُفهِمُكمْ بالحُسْنَى الوقتُ الباقي قليلْ
عَمَّمتُم قصّةَ أطفالٍ عن شَيطانِ التفاصيل
الرابعَ عشَرَ لن يصمد حتى أوَّلْ إبريل
فَضُبُّوا حكومَتَكُم خَفَرا ما عادَ البالُ طويل
رُدّوا العلّوشَ وشهَيِّب خَفِّفوا عنّا التهويل
أتُعقَل نائلةُ مُعوّض ً والعلّامةُ ميخائيل؟
كان المساطيلُ ثلاثة زِدتم عددَ المساطيل
وَالجعجعُ بَختُنا ليلياً كيف أطلَقهُ إميل؟
طبعاً سيُجاوبُ وهّابٌ أو إذا شِئتُم قنديل
الذِلّةُ هَيهاتٌ مِنَّا وبكُم قيدَ التحصيل
ليس البلدُ لَكُمُ وعَلى رِقابِكُمُ طويل
شعبٌ يشتُمُكُم في الظُلمة يسهَرُ «ضيّ القَنَاديل»
يُطعمُهُ بَربَرُ يومياً ثمَّ يُلبِسُهُ عَقيل
كَسَرَ العربيةَ «جورجُكُمُ بوشٌ» وهذا دليل
فالأهبلُ نعتٌ والأهبَلْ أيضاً أفعَلُ تفضيل
فَعْلُن فَعِلُن مَفْعولُن فَعْلُن فَعِلن مَفَاعيل
بَيتٌ مِثلُكُمُ لا معنى لا يصلُحُ للتدليل
لَن يَنظُمَهُ عمرو موسى لا الربَّ ولا التدويل

وفي هذه الأهزوجة – كما هو واضح – يهدد زياد الرحباني الأكثرية، ويقول بأنهم لن يصمدوا إلى شهر ابريل القادم، ويدعو الحكومة الحالية للاستقالة (وهي دعوة سورية ومطلب المعارضة اللبنانية) وبأن الأكثرية عبارة عن مجموعة من "المساطيل"، وأن الحكومة الحالية لا تصلح للبنان، لا بواسطة عمرو موسى ولا بالرب (البطريرك صفير) ولا بالتدويل. وهكذا استطاعت سوريا أن تكسب إلى جانبها فيروز، وابنها الملحن الغنائي زياد الرحباني الذي تغيّر 180 درجة من عنصر شيوعي ناشط إلى مناصر لحزب الله، كما يتبين من أهزوجته أعلاه.
وقبل ذلك كلّفت سوريا زعيم حزب "المردة" (سليمان فرنجية) شتم البطريرك صفير، واتهامه لأول مرة في تاريخ بكركي (المقر البطريركي) من قبل سياسي مسيحي ماروني، بأنه عميل للسفارة الفرنسية والأمريكية. وأنه سيقابل في المستقبل بالشتم والاهانة فيما لو مضى البطريرك بالتدخل بالشؤون السياسية اللبنانية، كما قال فرنجية في مؤتمره الصحافي مؤخراً.

لبنان: المحافظة السورية الخامسة عشر
فماذا بقي للإرادة اللبنانية المستقلة بعد هذا كله.
وما الذي يمنع سوريا من اعتبار لبنان المحافظة السورية الخامسة عشر؟
فهل آن للبنانيين أن يفهموا ماذا يجري في لبنان، وقد أصبح لبنان على هذا النحو مُلحقاً بمحافظة طرطوس كمحافظة سورية خامسة عشر، حيث لا حدود ولا تمثيل دبلوماسي مع لبنان، كأية محافظة سورية أخرى؟
فقد ملكت سوريا في قبضتها الفن والغناء اللبناني (لاحظ عدد المغنين اللبنانيين الذي غنوا للنظام السوري. أنظر مقال أحمد أبو مطر: "صناعة الطاغية غنائياً"، "إيلاف"، 9/1/2008) وملكت الدين (حسن نصر الله وحزب الله) وملكت السياسة (كل أحزاب المعارضة الحالية) وملكت أكثر من نصف الشارع المسيحي (عون، وفرنجية، والمُرّ، وسكاف، والأرمن، وغيرهم) وأكثر من نصف دروز لبنان (أتباع طلال ارسلان، ووئام وهاب) وملكت معظم الطائفة الشيعية القوية المسلحة تسليحاً جيداً (حركة "أمل"، و "حزب الله") وملكت الاقتصاد اللبناني (تكرار جرائم الاغتيالات لإبعاد المستثمرين من الخليج وغيرهم عن لبنان، والنهب السوري للبنان الذي سنتحدث عنه في مقال لاحق) وملكت عدداً كبيراً من الصحف ووسائل الإعلام الأخرى (تلفزيون "المنار" مثالاً لا حصراً).
فماذا بقي للبنانيين من استقلال لبنان؟
وعن أي استقلال يتحدثون؟
السلام عليكم.