في الأوهام الطهرانية للمعارضة السورية: وهم فاعلية التغيير من الداخل 3/3
خلف علي الخلف

                                                                                                             27-11-2007

يصرُّ أغلب أطياف المعارضة السورية على «السلمي‏»‏ كطريق وحيد للتغيير ينشدونه في سوريا. وهو خيار ‏أصبح راسخاً ولاخلاف عليه، ولم يكن تكريسه نتاج ضمور القدرة على الخيار ‏«‏العنفي‏»‏ لدى أطياف المعارضة ‏فقط، بل لأن الغالبية أصبحت تؤمن بـ‏«‏السلمي‏»‏،لأسباب متعددة المشارب. وإذا كانت «السلمي‏»‏ تخص خيار ‏المعارضة نفسها، فإن خيار « العسكري‏»‏ عندما يحل بديلاً عن العنفي لا يلاقي نفس الإجماع سواء إعلامياً أو ‏حتى ضمنياً. والعسكري هنا هو التغيير من الخارج كما حدث في العراق. لكن هذا الخيار أيضا فقد أغلب الذين ‏تحمسوا له في فترة من الفترات أو دعوا له أو على الأقل تمنوه، لأن «الكارثة العراقية‏»‏ بعد سقوط نظام صدام ‏جعلت المراهنة على التغيير الخارجي أمراً غير مقبول بالمقايسة. إذ أن ما حدث في العراق جعل المنطقة برمتها ‏تعود إلى الوراء وجعل الكثيرين يجاهرون بأن القبول بنار الديكتاتوريات أرحم من جنة الديموقراطية ‏‏«الأمريكية‏»‏ الموعودة. إنها عودة للمربع «الصفري‏»‏ السابق لسقوط صدام، عودة مدعومة بوقائع تجري أمام ‏أعين الجميع. فقد كان المربع فيما قبل سقوط صدام ملخصاً بـ «لا لصدام، لا لأي تدخل خارجي‏»‏ وإذا كان هذا ‏المربع السكوني قد وجد من ينتقده قبل سقوط صدام ويعلو بصوته مفنداً إياه وواصفاً له بأنه قبول باستمرار هذا ‏النظام «كمثال صارخ للدكتاتوريات‏»‏ ولا يقدم شيئا آخر لاستحالة التغيير من الداخل، لأن النظام استولى على كل ‏مفاصل الحياة وجعل التغيير ضمن هذه المعادلة أمراً مستحيلاً، فإنه لا يجد الآن من يفنده بناءا على ما حصل ‏لاحقاً في العراق.‏
لقد تحولت مقولة التغيير «من الداخل‏»‏ إلى ركن أساسي لدى أطياف المعارضة السورية سواء الداخلية أو حتى ‏الخارجية، وأصبح الخروج عليها أمراً أكثر صعوبة، في ظل الوقائع الماثلة. فقد تلقى المراهنون على التغيير ‏‏«من الخارج‏»‏ أو بدعم منه صفعة قوية من المثال العراقي. وهذه «الصفعة‏»‏ لا تقتصر على من كان ينادي به من ‏السوريين بل إنها كانت أيضاً للقوى التي يُراهن عليها في إجراء هذا التغيير وهي هنا أمريكا فقط لا غير. ‏
إذ أن كل الدلائل تشير إلى أن لا أحد سوى أمريكا لديه رغبة في تغيير النظام السوري(اعلاميا على الاقل) بما ‏في ذلك إسرائيل. بل إن كثيرين يعتقدون أن إسرائيل هي من حمى هذا النظام لفترات طويلة ومديدة من اليد ‏الأمريكية! فهي تفضل نظاما مستقراً معروفاً لديها بمحافظته على أمن حدودها، من نظام آخر قادم قد يجد نفسه ‏منساقا إلى إعادة شعارات التحرير واستعادة الأرض بالقوة في محاولة لاكتساب شرعية وطنية كما فعلت كل ‏الانقلابات العسكرية في سوريا قبل أن تهدأ بشكل نهائي بعد انقلاب الأسد (الأب) وسحقه لكافة القوى السياسية ‏على الأرض، وامتداداتها داخل المؤسسة العسكرية. وكما كل الشعارات التي رفعتها « الأحزاب‏»‏ السورية ‏المعارضة في فترة من الفترات، فقد كان ولا زال الكثير من المعارضين السوريين يعيرون النظام بصمته اتجاه ‏إسرائيل، وبعدم قدرته على تحرير الجولان!. لا شك فإن هذا الموقف الإعلامي هو أحد أدوات استدراج عطف ‏الشارع في «حرب‏»‏ المعارضة مع النظام.‏
وإذ لايمكن لأحد أن يعارض رغبة المعارضين السوريين في التغيير الداخلي يمكن لنا مناقشة مدى إمكانية ذلك ‏من خلال المؤشرات التالية:‏
‏-‏ يستولى النظام على كافة مفاصل العمل في الشارع السوري ولا يسمح لأحد بالاقتراب منها أو التوغل ‏فيها فلا تستطيع المعارضة الداخلية من تجميع أكثر من بضع عشرات أو مئات لأي احتجاج تدعو له ‏وهذا حصل في لحظات بدت فيها اليد الأمنية متراخية قليلا أمام ترك «ساحة‏»‏ للمعارضين لتنظم بعض ‏هذه الاحتجاجات ‏
‏-‏ عدم قدرة المعارضة السورية على تشكيل «حركية‏»‏ مؤثرة أو فاعلة ضمن الشارع السوري، بل وحتى ‏لدى النخب المتعلمة أو حتى المثقفة. إذ ليس هناك مشروع وطني يمكن الإجماع عليه خارج حسابات ‏المحاصصة لقوى خائرة التمثيل على الأرض وتجتر تاريخاً سابقاً يثقل العمل السياسي (وحتى المدني) ‏في الشارع السوري
‏-‏ الرهاب الأمني الذي ما زال يسكن نفوس الناس منذ بطش النظام العنيف بكل مكونات المجتمع والتي ‏كان لها موقفا محتجا أو معارضاً، سلمياً أو مسلحاً. وتالياً شل قدرتهم ليس على الحركة فحسب بل على ‏التفكير فيها.‏
‏-‏ انتماء شخوص المعارضة السورية (الداخلية) إلى فكر قومي أو يساري؛ وهذ عدا عن كونه يحيل في ‏الغالب الى تمثلهم «رطانات‏»‏، فإنه يجعلهم بعيدون عن الشارع السوري في قراءة له الان لأن وعيه ‏الجمعي أصبح دينيا في العموم.‏
‏-‏ ضعف قدرة وخطورة عمل الإخوان المسلمين في الداخل السوري في ظل بقاء القانون 49 الذي يحكم ‏بالإعدام على كل من ينتمي للجماعة وهي عبر طبيعة تكوينها الأكثر قدرة على الحشد فيما لو أتيح لها ‏النشاط الداخلي
‏-‏ ضعف خيار «دفع ثمن الحرية‏»‏ لدى «المشتغلين بالسياسة‏»‏ في سوريا لأسباب عديدة ليس أقلها البطش ‏الذي لا حد له للنظام لأي فاعل سياسي مؤثر. بل يبدو أن هذا الخيار تراجع عن العقود الماضية بعد أن ‏أمضى بعض السوريين المشتغلين بالسياسة وبعض السياسيين ما يقارب العقدين في سجون النظام، في ‏ظل عدم وجود آلية تكافلية تضمن على الأقل عائلة من سيختار هذا الخيار
‏-‏ ضعف خيار التغيير في هرم السلطة أو انعدامه سواء كان ذلك بانقلاب أبيض أو غيره من التغييرات ‏‏«الانقلابية‏»‏ داخل هرم السلطة‏
‏-‏ لم يصل الناس في سوريا إلى وضع اقتصادي كارثي «ولن يصلوا‏»‏ يسبب احتجاج جماعي منفلت ‏وغير منظم تستطيع بعض الأحزاب ركوبه، كما أن كل اطياف المعارضة تغيب المسألة المطلبية ‏والمعاشية للناس من خطابها الاعلامي! الذي ترتكز دعواه الاساسية في التغييرعلى: الديمقراطية، ‏حقوق الانسان، تداول السلطة،... ولازالت هذه المفاهيم لا تشكل استقطابا (شعبياً) حولها
‏-‏ عدم تبني القوى الدولية المؤثرة، بشكل واضح لخيارات المعارضة في «التغيير‏»‏ بل لازالت كل الدول ‏تأمل أن ينسجم النظام مع الوضع الدولي ويغير نفسه وهي تعني تغيير ارتباطاته الخارجية مع إهمال ‏الداخل السوري.‏
وفق هذه المؤشرات هل لأحد من المعارضة السورية في الداخل والخارج أن يدلنا على آليات التغيير السلمي من ‏الداخل دون أن يستخدم الشعارات، والجمل الفضفاضة، وكلام لا مصب له. إذ أن هدف هذه الورقة محدد وهو ‏الدخول في منطقة إجرائية، والنظر الى امكانيات التغيير ضمن الواقع المتاح الماثل، دون الدخول في التنظير ‏العمومي. نتمنى بالطبع أن يكون لدى المعارضة السورية الداخلية والخارجية ما تقوله وما تفعله في سبيل التغيير ‏السلمي الديموقراطي «ومن الداخل‏»‏ غير ترقب إحالات المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الحريري‏

ملاحظة: كتبت هذه الورقة بأجزائها الثلاث في صيف 2006. لم أنشرها حينها بسبب خوفي من السلطات الأمنية ‏ولاعلاقة لعدم نشرها بأي شيء خارج هذا. وكنت قد «أرسلتها» لبعض الاصدقاء طالبا الرأي فكانت نصيحتهم ‏عدم النشر. لم أجر أي تغييرات جوهرية عليها، وهذا يدل على أن الزمن السوري سرمدي؛ ما نقوله فيه يصلح ‏الى الابد. كما أنها تتوجهه للمعارضين السوريين بحثاً عن منطقة فاعلية «وطنية». كما أعتبرها مجرد رأي، لا ‏أتمسك به في حال اقتنعت بخطله.‏