التيار السوري الديمقراطي                            

                                               

 

23/05/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
تاريخ القمع السياسي في سورية كما يرويه محمدالماغوط

-------------------------------------------

- الأجيال العربية التي حلمت بالحرية لم تحصد غيرتكثيف الحضور الأمني و التطور التقني في الرقابة

- في التاريخ السياسي السوري عدة أشخاص قضوا في الزنازين فترة أطول من المدة التي قضاها نيلسون مانديلا

- القمع العربي لايختلف من منطقة الى اخرى الا في الدرجة والتفاصيل واسماء المساجين والسجون

- سنية صالح حفظت وصفا دقيقا للغرفة التي اختبأ فيها الشاعرهربا من المطاردات البوليسية

--------------------------------------- د محيي الدين اللاذقاني

حلمت ذات ليلة بالربيع

وعندما استيقظت

كانت الزهور تغطي وسادتي

وحلمت مرة بالبحر

وفي الصباح

كان فراشي مليئا بالاصداف وزعانف السمك

ولكن عندما حلمت بالحرية

كانت الحراب

تطوق عنقي كهالة الصباح

من السلمية خرج عاشق الحرية على قدميه حين كانت سورية تموج بالاضطرابات والانقلابات العسكرية مطلع خمسينات القرن العشرين واليها عاد محمولا الشهر الماضي ليترك في فضائها وفضاء سورية علامة استفهام كبرى رهيبة عن تاريخ القمع السياسي السوري الذي شل جيلا بكاله وعطل مسيرة بلد وامة فالشاعر السوري محمد الماغوط لم يكن مبالغا حين قال في اخر حديث له عن ادب السجون ان التجربة الاولى والهروب المستمر من اجهزة القمع كسر شيئا جوهريا داخله وان كل ما كتبه من نثر وشعر ومسرحيات وروايات ومقالات لم يكن الا محاولة لترميم ما تركه ذلك الجرح الذي زرع في داخله خوفا دائما مفجعا ونزع من نفسه كل ذرة أمان .

قبل هذا الاعتراف النثري بعشرات السنين سجل الماغوط سيرة القمع السياسي شعرا ولم يكن فردا ولا استثناءافي تلبس حالة الخوف من السلطة ورموزها فالحالة التي يحكي عنها منذ قصائده المبكرة كانت شبه عامة الى درجة عطلت معها الحراك السياسي في مجتمع باكمله وكيف لا تشله وتعطله ومعظم السوريين الذين عاشوا في ظل أنظمة قمعية متتتالية يعرفون جيدا ما تعنيه تلك الحالة التي يحكي عنها شاعر فرد بلسان المجموع الذي صار يدرك مع عدم دراسته للتجريد الفني ان الشرطي ليس وجودا جسديا في الشارع فحسب لكنه فكرة كابوسية ومع بعض المبالغات الشعرية خلية تجري في الشرايين :

ما ان ارى ورقة رسمية على عتبة

أو قبعة من فرجة باب

حتى تصطك عظامي ودموعي ببعضها

ويفر دمي مذعورا في كل اتجاه

كأن مفرزة أبدية من شرطة السلالات

تطارده من شريان الى شريان

ولأن الجراح وأحزانها لا بد ان تقترن بالسخرية المرة في أدب الماغوط وحياته لا بد من ملاحظة أولية قبل ان ندخل في دهاليز القمع السياسي السوري الذي أنتج ظاهرة الماغوط فقد ساعدت الأقدار على اكمال سيرةالمقموع ( المضحك المبكي) بخلق صدفة واقعية لا يمكن ان تحصل الا في مسرح الماغوط العبثي ففي اليوم المقرر لاعادة بث آخر حديث مع الماغوط على قناة الجزيرة على الساعة الخامسة وخمس دقائق بتوفيت غرينتش مساء الثلاثاء الواقع في الحادي عشر من ابريل –نيسان الماضي حصلت الصدفة الماغوطية-العبثية ففي ذاك التوقيت الدقيق بالضبط كانت جميع الكاميرات في مختلف انحاء العالم ومنها كاميرات القناة التي ستعيد بث اعترافاته تنتقل بقدرة قادر الى ضريح الامام الرضا في مشهد بايران لتنقل على الهواء مباشرة كلمةالرئيس الايراني أحمدي نجاد التي يزف فيها البشرى للشعب الايراني بنجاح تخصيب اليورانيوم .

وهكذا ألغيت اعادة حلقة اعترافات الماغوط وضاع صداها لينشغل الناس اثناء توقيتها بتصريحاتا البرادعي ولافروف ولاريجاني ورايس وكأن الواقع العبثي يقول للشاعر ما سبق ان قاله الماغوط في قصيدة للسياب يحذره فيها من العودة للحياة فما من شئ يتغير في بلاد ضائعة الملامح بين سوط المستيد المحلي ومهماز العدو الخارجي وقد كانت خلاصة نصيحة الماغوط لزميل سنوات التسكع والحرمان في بيروت قصيرة ومكثقة ملخصها :

تشبث بموتك ايها الشاعر

لقد كان الماغوط كاتبا مشاغبا في فترة سياسية قلقة و كان التاريخ السياسي السوري قلقا على الدوام منذ خمسينات القرن العشرين حين لمع الماغوط الى يوم رحيله ولمن لا يعرف التاريخ السياسي السوري جيدا يكفي ان نذكر انه كان قي سورية عدة سجناء سياسيين عاشوا داخل الزنازين اكثر مما عاش نيلسون منديلا وهم كثر منهم على سبيل المثال عماد شيحا29سنة سجن وفارس مراد 28 سنة وهيثم نعال27 سنة وعادل نعيسة وكامل حسين ربع قرن لكل منهما ناهيك عن رياض الترك والعشرات من مجايلي الماغوط في تلك الحقب القاسية التي شهدت عشرات الانقلابات العسكرية التي كانت تعد جميعها بالديمقراطية والعودة الى الشعب لكن شيئا من تلك الوعود لم يتحقق منذ طفولة الشاعر الى شيخوخته .

ان تلك الملابسات مجتمعة تجعل من الماغوط نموذجا ممتازا لدراسة تجليات ذلك القثمع السياسي وآثاره على أجيال كاملة حلمت بالحرية وناضلت من اجلها فلم تحصد غير التطورالتقني في اجهزة الأمن والرقابة والزيادة المضطردة في عدد المعتقلات والسجون .

ان أكثر التجارب تأثيرا في الماغوط كما فهمنا من حديثه على فراش الموت هي تجربة الهروب المستمر من الشرطة والاختباء في الجحور والأقبية ثم الهرب من سورية بكل من فيها وما فيها خوفا من الاعتقال وكل جريمته انه انتمى دون تدقيق الى الحزب القومي السوري الاجتماعي في المرحلة التي غضبت فيها الدولة السورية على ذلك الحزب وحملته مسؤلية اغتيال الضابط عدنان المالكي وهي مرحلة مفصلية في التاريخ السوري الحديث لأن اغتيال المالكي أوائل الخمسينات وما أعقبه من تطورات دموية وانقلابات هو الذي مهد بعد سنوات فليلة من ذلك الاغتيال الى استفراد البعث بالسلطة و فرض قوانين الطوارئ التي ما تزال مستمرة الى اليوم .

عن ذلك الانتساب الذي جر عليه الويلات يقول الشاعر ساخرا انه كان شابا مقرورا وجائعا هرب من الريف الى المدينة مفلسا وقد انتسب الى القوميين السوريين لان مكتبهم القريب من بيته كان فيه مدفأة يستطيع اللجوء اليها في ايام البرد وكانوا يقدمون الطعام مجانا لاعضائهم في بعض الأمسيات .

لقد وصل الماغوط الى دمشق في عز احتدام الصراع بين القوميين السوريين الاجتماعيين والبعثيين وبقية القوى القومية وقد انتمى دون تدقيق ودون قناعة ربما الى الجانب المرشح للهزيمة وفي مجتمعات تفتقر الى التسامح عموما والتسامح السياسي على وجه الخصوص يدفع المهزومون ثمنا باهظا يتجلى في السجن والتعذيب والفصل من الوظيفة والمطاردة الدائمة وقد شاء حظ الفتى الريفي ان تكون تجربة الهروب من وجه أجهزة الأمن هي التجربة السياسية الأولى فقبل ان يتمرس في العمل السياسي صدرت الأوامر باعتقال القوميين السوريين وأختفى الماغوط قبل ان يهرب الى بيروت التي صنعت مجده الادبي في غرفة حقيرة سيئة الاضاءة والتهوية عدة أشهر فكانت تلك الغرفة زنزانته الاختيارية التي ولدت فيها معظم قصائده المبكرة التي تحكي عن جوع مزمن الى الحرية وهي القصائد التي قربته من قلوب ملايين العرب الذين كانوا يعيشون قمعا سياسيا مماثلا ويجدون في الماغوط الصوت المعبر عن احاسيس المقهورين والمقموعين سياسيا واجتماعيا لا في سورية وحدها بل في مختلف أنحاء العالم العربي فالقمع السياسي السوري لا يختلف عن القمع العربي العام الا في الدرجة والتفاصيل واسماء المساجين والسجون وهذا ما يعطي للحلم بالحريات وهجه الدائم ويجعل منه ادمانا فنيا محببا :

آه يا امي

لو كانت الحرية ثلجا

لنمت طوال حياتي بلا مأوى

ان الطريق الى الحرية ودفع الثمن الصعب لها يجبر حتى الاعداء على احترام المطالبين بها فمن خلال مقطوعة قصيرة كتبها الشاعر لبلدته سلمية التي دفن فيها نحس بكثافة ذلك الاحساس المركزي في تجربة الماغوط الفنية والحياتية :

سلمية الدمعة التي ذرفها الرومان

على اول اسير فك قيوده بأسنانه

ومات حنينا اليها

وكما يليق بحفيد مخلص لسبارتاكوس سار الماغوط طويلا على دروب المطالبة بالحريات لنفسه وشعبه فاصبح في بداياته وقبل ان بشتهر كشاعر وكاتب ساخر مطاردا وقد كان الهروب من وجه السلطة الرسمية وممثلي النظام يمتد عنده عدة اشهروعند غيره سنوات وفي واحدة من تلك المرات الكثيرة التي لم يحصها الشاعر اضطر للعبش كالحشرة في غرفة عجيبة نجد من حسن حظ تاريخ الادب وصفا دقيقا لها عند زوجته الشاعرة سنية صالح الوحيدة التي كانت تزوره في غرفة بملايين الجدرات وملايين الاحاسيس المروعة والاحلام المحبطة .

عن تلك الغرفة تقول المرأة التي كانت تعيش حينها قصة حب مع شاعرها :

(غرفة صغيرة ذات سقف واطئ حشرت حشرا في خاصرة احدى المباني بحيث كان على من يعبر عتبته ان ينحني وكأنه يعبر بوابة الزمن ،سرير قديم ملاءات صفراء كنبة زرفاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها ، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم في هذا المناخ عاش الماغوط أشهرا عديدة ...)

ذلك الوصف النثري نجد صداه في نص مبكر للماغوط يعكس ألم انسان أسير ومحاصرحاله حال ملايين حرمتها حقب القمع السياسي من مجرد الحلم بغد أفضل :

بلا أمل

وبقلبي الذي يخفق كوردة حمراء

سأودع أشيائي الحزينة في ليلة ما

بقع الحبر

وأثار الخمرة الباردة على المشمع اللزج

وصمت الشهور الطويلة

والناموس الذي يمص دمي

في تلك الغرفة وفي مثل ذلك الجو الكئيب لا يستطيع الشاعر كائنا من كان ان يتحاشى المحنة الشخصية لذا تصبح معظم صور شعره ونثره مشتقة من الحرية والعبودية وحتى الحب نفسه يصبح له نكهة تلك التجربة ففي نص معتق الرومانسية لا يجد الشاعر ما يشبه به أهداب حبيبته الا صورة عبيد يجدفون بتناسق في مراكب عبوديتهم :

هكذ أودك يا حبيبتي

زهرة برية أو يمامة في عنق الريح

ولكنني يائس حتى الموت

اتقهقتر بلا روية على تلال الحبر

وأهدابك الجميلة

تنحني على صفحاتي كعبيد في المراكب

ذلك الحزن المخلوط بذعر جلي والذي يطالعنا بغزارة في النصوص الماغوطية لم ينشأ من فراغ ولا بين عشية وضحاها بل تراكم خلال سنوات طويلة من المواجهة مع سلطات قمعبة بوليسية تحاول ان تمنع حتى الاشجار من التنفس وتحت ظل هكذا ظروف لا يحس المقموع بحصار الجسد وحده فالروح محاصرة والشعر محاصروالكلمات لها جلادها الخاص ومع طول التدقيق في ذلك الوضع المخزي يبدأ الشاعر بالبحث عن جذور خوفه ويأسه ويهجر دورالبطولة الفردية الذي يمنح تلقائيا في التراث العربي للشاعر الفرد المقاوم وهو دورتخلى عنه الماغوط شعريا بطيبة خاطر لادراكه انه امام ماكينة قمعية جبارة لا ينفع معها تمثيل ادوار الصمود والشجاعة .

ولأن القمع العربي له فعلا جذوره الممتدة عميقا في تراب المجتمعات البطرياركية- الأبوية كان الاعتراف الماغوطي بالجذر التاريخي للقمع العربي مفهوما بمجرد التلميح اليه بصورة موحية :

آه يا حبيبتي

عبثا استرد شجاعتي وبأسي

المأساة ليست هنا

في السوط أو المكتب أو صفارات الانذار

انها هناك

في المهد .....في الرحم

فانا قطعا

ما كنت مربوطا الى رحمي بحبل سرة

بل بحبل مشنقة

ولنستمع الى سنية صالح مرة اخرى وهي تصف تجربة الاختفاء في تلك الغرفة وسوف نرى كيف تحولت لعبة البطولة الفردية الى كابوس ،لان الانسان ومهما كان صلبا له احتياجاته الخاصة ولا بد له من هواء وشمس وبشر يحتك بهم في الشارع حتى لا يضمر ويتحول الى ورقة خريفية تستفرد بها الريح وتسقطها بعد شحوب واصفرار.

تقول سنية صالح في مقدمة مجموعة ( حزن في ضوء القمر) :

( بدت الايام الاولى كاللعبة البطولية لنا نحن الاثنين ولكن لما شحب لونه ومال الى الاصفرار المرضي وبدأ مزاجه يحتد بدت لي خطورة اللعبة ،كان همي الكبير ان يتلاشى الاعصار دون ان يخنق غباره النسر ) .

ولم يتلاشى الاعصار فقد كانت كل حكومة مستبدة تخسر السلطة لاخرى اكثر استبدادا منها وحين لمع نجم الماغوط في بيروت وصار شاعرا مشهورافي اجواء حلقة مجلة شعر لم يعد هدفا سهلا وجرت بعد سنوات عدة محاولات لاسترضائه بلغت قمة العبثية حين اسندت اليه وظيفة رئيس تحرير مجلة الشرطة التي تصدرها وزارة الداخلية السورية وهي مهمة لم يمارسها الا على الورق فالذين عينوه فيها كانوا يدركون استحالة لجم الشاعر الذي لم تمنعه القيود الخارجية المفروضة على الحريات من ممارسة حرية داخلية شاسعة ساعدته على مواصلة الابداع فالحرية الداخلية وكما نفهم من هيغل القائل :( ان النفس المحرومة من الحرية الداخلية لا تعرف الافصاح عن ذاتها ) هي من الشروط الاساسية للابداع فالشعراءالمطاردون يستعيضون عادة عن ظروف القمع الخارجي بحريتهم الداخلية التي لا يمكن ان تطالها اجهزة القمع مهما بلغت تقنياتها لذا عوض الماغوط كما اعتقد عن الحرمان من الحريات الخارجية بحرية داخلية بالغة البذخ مكنته ن تحويل تجاربه المريرة الى نصوص كتبها فرد واحد لكنها حملت معاناة المجموع فالحرية التي هي مطلب الجميع في سورية والشاعر أولهم تتحول من جراء القمع المباشر والمستتر الى نقيضها :

ما دامت كلمةالحرية في لغتي

على هيئة كرسي صغير للاعدام

تحت ظل الأحكام العرفية والمحاكم الاستئنائية وقوانين الطوارئ التي تحولت الى قوانين ( دوائم) عاش الماغوط هاجسه الكبير وحلم بوطن حر يعيش فيه السوريون موفوروالكرامة والكبرياء لكنه وبعد كدر طويل لم يفز بكبرياء الحر ولا بطمأنينة العبد الموهومة فضاق ذرعا بتلك الحالة من الحرية الشكلية وتمنى على سبيل المجاز ان يكون عبدا حقيقيا ليعرف نفسه وشكل طمأنينته في ذلك المحتمع الذي ضاعت تحت سلطة قمعه الهويات جميعها :

آه كم اود ان اكون عبدا حقيقيا

بلا حب ولا وطن

لي ضقيرة في مؤخرة الرأس

واقراط لامعة في اذني

أعد وراء القوافل

واسرج الجياد في الليالي الممطرة

وهنا اتمنى الا يلجأ المتحذلقون الى التفسير الرمزي في تحليل هذه الامنية الخارجة عن نطاق عشاق الحريات بكليشيهاتهم المعروفة فالقمع المتواصل برعبه المزمن هو الذي قاد الشاعر والناثرالى ذلك الاحساس العميق باللاجدوى ومن جراء تلك التجربة الوجودية المتشابكة صارت نصوصه حقول حزن مقطر فتحت كل آهة فيها نهر من الدموع وتحت كل حرف الف سوط ومهماز يذكران القارئ بما ذهب اليه الشاعر الفرنسي فرلين حين قال :( عندما أبكي أعلم حق العلم ان ذلك ليس رمزا ).

لقد عاش الشاعر التجربة الجماعية بكل زخمها وكانت مرارته جزءا أصيلا من مرارة المجموع ومن الاحباط العام فهل هي صدفة أن يكون الحراك السياسي في سورية التي اشتهرت تاريخيا بنضالاتها هو اليوم الأضعف والابطأ في العالم الثالث ..؟

ذاك الواقع المر الذي عاشه الماغوط واحس به مبكرا هو الذي دفعه الى التأكيد على استحالة قيام اوطان قوية بلا حريات حقيقية وهو الذي جعل من حزنه علامة فارقة حتى لا اقول يائسة :

حزني لا حسب له ولا نسب

كالأرصفة

كجنين ولد في مبغى

تلك الحالة المصفاة من الحزن لازمت الشاعر دهرا فقد حملها معه في الوطن وفي الهجرات القصيرة القليلة التي قام بها الى لبنان والامارات وحين عاد ليعيش كهولته المبكرة على ناصية مقهى دمشقي وجدها تلاحقه كلعنة كافافيس عن المدينة الاولى التي تضيع فيهل عمرك الاول فتلاحقك نكباتها أنى ذهبت وهكذا وجد الشاعر ان الزمن يمر والدنيا لا تتغير فالقمع السياسي الذي عاشه شابا لاحقه كهلا وشيخا يتحرك بصعوبة على كرسي بعجلات لم يفته ان يسخر منه ومن نفسه حين قال ان الذين يتحركون على كراس بعجلات لهم ميزة هامة عن غيرهم فهم لا يضطرون للوقوف اثناء عزف النشيد الوطني .

صحيح انه قد اصبح لاحقا بعد الشهرة والعمر صاحب حصانة معنوية لكن هذا لم يمنعه من ملاحظة ان لا حصانة لأحد في ظل الديكتاتوريات ومن جراء هذا الادراك ربما يمكن فهم حزنه المترسخ في الروح :

فليذهب القادة الى الحروب

والعشاق الى الغابات

والعلماء الى المختبرات

اما أنا

قسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق

لاعود كما كنت

حاجبا قديما علىباب الحزن

ما دامت كل الكتب والدساتير والاديان

تؤكد انني لن أموت

الا جائعا أو سجينا

في مجتمعات القمع السياسي المكثف ليس مسموحا للفرد بأي حق بما في ذلك حقه في ان يمارس حزنه النبيل بكبرياء يليق بروحه الحرة ولعل تجربة الماغوط وهي وجودية وسياسية معا تعكس حجم المحنة السورية سياسيا وابداعيا فحين يعيش شاعرالى ان يتجاوز السبعين ويجد امامه احلامه واحلام جيله لم يتحقق منها شئ من يستطيع ان يلومه على ذلك الكم من السوداوية ..؟

لقد كان الماغوط عند العرب كتشيخوف عند الروس لا يبيع وصفات الأمل في صيدليات متنقلة لكنه يشير بمهارة الجراح الى موضع الألم والفساد والورم في الجسد العربي ثم يمضي وهو على ثقة بان الناس يوما ما سيقومون بما يجب فعله لدحرأنظمة الاستبداد والقمع والتأسيس لأوطان حرة مستقلة تلجم توحش أجهزتها وتحفظ لمواطنيها حقهم في الاحساس بالكبرياء والكرامة .




مجلة وجهات نظر- القاهرة

عدد مايو- أيار 2006