تراجع السياسة الوطنية وصعود السياسة الأهلية
ياسين الحاج صالح

17-07-2007

 

ثلاثة فاعلين غير عقلانيين هم من يحتمل أن يشكلوا مستقبل المشرق العربي خلال العقود الأخيرة: أطقم السلطة الحاكمة، التكوينات الأهلية في مجتمعاتنا، والقوة الأميركية المهيمنة.

مصدر لا عقلانية أطقم الحكم في منطقتنا سلم أولوياتها الذي يشغل البقاء على قيد السلطة فيه أولى أولوياتها. هذا يدفع نحو سياسات لا تعزز الاندماج المجتمعي، بل بالعكس تجتهد في تفريق المجتمعات المحكومة كي تغدو السيادة على أسهل، وتمسي السلطة مرجعية حصرية لكل التفاعلات الاجتماعية، فلا يتواصل الناس إلا عبر قنواتها المراقبة والمتحكم بها. وبالنتيجة يخفق المجتمع المحكوم الفاقد لاستقلاله في إنتاج تماسك ذاتي، ويرتهن تماسكه بقوة تضبّه من خارجه. هذا نموذج المجتمع الممسوك الذي أشرنا إليه غير مرة في هذه الصفحة وغيرها. ومن المألوف في مجتمعاتنا المشرقية أن يقتضي الإمساك بالمجتمع المحكوم استنادا تفضيليا إلى عصبية دينية أو مذهبية أو أثنية أو قرابية، الأمر الذي يزيد تماسك طاقم الحكم لكن بتناسب طردي مع تدهور تماسك المجتمع المحكوم. هذا أمر محقق في مجتمعات المشرق بدرجات متفاوتة.

حماية هذه الأولية تقتضي تركيز السلطة وإقامتها على "الأمن"، وتأمين أجهزة الأمن في منطقتنا المشرقية بأيدي أهل الثقة برهان قاطع على أن أمن الحكم يتقدم على الأمن الوطني. والواقع أن مفهوم المصلحة الوطنية يغيب تماما. وقلما يجد المرء نقاشا حوله. والسلطات تصادر على أنها تجسيد للمصلحة الوطنية، لكن دون أن يتاح لأحد إثارة نقاش عام جدي حول الموضوع. قضايا السياسة والسلطة والحكم كلها محاطة بغلاف سميك من التكتيم والخوف والتخوين، ما يقوض أية إمكانية لنقاش عقلاني.

وليست الولايات المتحدة الشرق أوسطية فاعلا غير عقلاني لأنها تصدر عن عداء أصلي لسكان المنطقة وثقافتها (لا جدال في شيء من هذا)، ولا لأن البيروقراطية السياسية والأمنية الأميركية لا تكاد تعرف شيئا عن "الشرق الأوسط" (هذا أكيد أيضا)، ولكن أولا وأساسا لأن منظورها الشرق أوسطي يندر أن يتطابق مع الدول القائمة. فهو إما يلتف من تحتها ليتصل بمكوناتها الأهلية، أو يلتف عليها من فوقها ليدخلها في ترتيبات إقليمية تتصل بالأولويات الأميركية. وهذه بدورها معنية بأن تكون القوة الأميركية المرجع النهائي لتفاعلات الدول جميعا بما يضمن استدامة السيطرة الأميركية في المنطقة. بكلام آخر، نجد هنا أيضا نموذج النظام الإقليمي الممسوك، المهدد بالتبعثر والانفراط إذا رفعت عنه القوة الأميركية، على أن نضع في بالنا أن القوة هذه تحرص على أن لا تنتج المنطقة أي نوع من الالتئام أو التماسك الذاتي.

من "قوانين" الشرق الأوسط قبل أن يطلق عليه هذا الاسم عام 1902، ومنذ مطالع أيام "المسألة الشرقية" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أن تنامي تأثير القوى الغربية على بنيانه السياسي يترافق مع تمخضات واختلاجات عنيفة في تكويناته الاجتماعية الأهلية. هذا شيء عرفناه في "عصر التنظيمات" العثماني، وكان منبع إحدى ديناميات إخفاقها. وخبرناه أيام الاحتلال الغربي في المشرق بين الحربين. ثم نتعرف عليه اليوم في موجة الهيمنة الأميركية الجديدة. ولا ريب أننا نلحظ اليوم تراجع السياسة الوطنية وتقدم السياسة الأهلية أو الأهلية الجديدة في كل مكان من المشرق. وأعني بالأهلية الجديدة السياسة التي تستند إلى حركيات الإسلامية المعاصرة أكثر مما إلى العشائر والطوائف، ومنها حركة "حماس" في فلسطين و"حزب الله" وتنظيم "القاعدة"... دون أن نضمر أنها سواء من وجهات نظر أخرى.

وبينما التشكيلات الأهلية الجديدة محاربة تكوينيا، وتشكل المقاومة المسلحة عنصرا جوهريا في تعريفها وهويتها، فإن التشكيلات الأهلية التقليدية تنافسية ومتنازعة تكوينيا أيضا. المكسب الدال الذي تحققه العشيرة أو الطائفة هو ما يتحقق لها ضد عشيرة وطائفة أخرى، وليس بالتأكيد ضد "الاستعمار" أو "الاستبداد". هذه "عقلانية" العشيرة. أما الحركات الأهلية الجيدة فهي منفتحة على عالم الدول والنظام الدولي، لكنها تحمل مشاريع خصوصية، تتصل بـ"الأمة" المتجاوزة للدولة أو بجماعة دينية محلية ما دون الدولة.

ما نراه إذاً أن ركائز السياسة الوطنية تتحطم، ويكاد ينقرض الفاعلون السياسيون الوطنيون، أولئك الذين يمحورون تفكيرهم ومبادراتهم السياسية حول مفاهيم الدولة والمصلحة الوطنية والأمن الوطني.

أطقم الحكم تمارس سياسة عقلانية إذا قبلنا بأولوياتها، لكن أولوياتها تجعل من الدول ذاتها أداة بينما هي مقر العقلانية والوطنية معا. ولا تكاد الدولة تؤثر في سلوك وتفكير الأطقم هذه، إما بسبب حداثتها وضعف تكوينها هي ذاتها، أو لأن الأطقم تلك نجحت في غزوها واحتلالها وتفريغها من أي مضمون عام وعقلاني، وردتها أداة في خدمة مصالحها الجزئية والفئوية. والسياسات الأهلية، بشكليها، ليست وطنية لكون أولوياتها متمركزة حول تعزيز العشيرة والطائفة والمنظمة الدينية و"الأمة". والطرف الأميركي يفكر بالعشائر والطوائف أو بترتيبات إقليمية تحت إشرافه كما قلنا، أي بما فوق الدول القائمة أو ما تحتها. وهو من جهة أخرى غريب عن المحددات الثقافية والقيمة للعقلانية الوطنية، أعني البعد المعنوي والثقافي للمصلحة الوطنية. فالعقلانية ليست شأنا أداتيا أو إجرائيا، ومفهوم المصلحة الوطنية، وهو ركيزة عقلانية السياسة، لا ينفصل عن تصور للصلاح والوطنية لا يستمدان من غير الثقافة والتجربة التاريخية للمجتمعات المعنية.

ما هو موحش في هذا المشهد أن الوطني العقلاني لا يجد سندا في أي من الأطراف الثلاثة. هو معرض للقمع من قبل السلطات التي تجد فيه إما منافسا أو ناقدا مزعجا. وهو مغترب عن التكوينات الأهلية القديمة والجديدة، لا يجد فيها إلا تشكيلات غريزية معادية للعقل، ولا تصلح أطرا للارتقاء الأخلاقي والثقافي. وهو وطني لا يقبل الالتحاق بمشاريع قوى هيمنية لا تعنيها سوى إدامة سيطرتها.

وتشكل السياسة الأهلية نقطة تقاطع لفاعلين الثلاثة. طواقم السلطة تستعمل التشكيلات الأهلية لترسيخ حكمها. وللأميركيين هي ركيزة هيمنة وتدخل متاحة على الدوام. ولا ترتفع التكوينات الأهلية بشكليها عن السياسة الأهلية، حتى وإن انفتحت الجديدة منها على "الأمة" وكانت أوسع أفقا.

والوطأة العظمة لالتقاء القوى الثلاثة تقع على الدولة. أطقم السلطة تجعل منها قوقعة لحكمها العائلي أو العصبوي. ولا يكاد الطرف الأميركي يقر لها بسيادة داخلية أو خارجية، أو يحترم كيانها؛ وهذا نابع بنيويا من الهيمنة الأميركية الشرق أوسطية، وإن تعزز وقتيا قبل سنوات بعقيدة هجومية تتصل بـ"تغيير الأنظمة" و"إعادة رسم الخرائط". فسحب هذه الخطط العدوانية والمفرطة الطموح من التداول السياسي اليوم لا يعني أن الهيمنة الأميركية موالية للدول. وقد يكون عداء الهيمنة الأميركية للدول، كيانات ومؤسسات حكم، هو ما يميزها عن الاستعمار الأوروبي الذي شكل دولا من الصلصال العثماني بعد الحرب العالمية الأولى. والتشكيلات الأهلية بدورها معادية للدولة، وفي "برنامجها الوراثي" بالذات استعداد للسير في ركاب كل "صاحب شوكة".

يجب الدفاع عن الدولة.
 كاتب وباحث سوري - دمشق