التيار السوري الديمقراطي                           بالحرية والمعرفة تسد الشعوب  

                          الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن   العلم السوري  الدستور السوري

 
استراتيجية المواجهة.. سورية إيرانية

استراتيجية المواجهة.. سورية إيرانية
عزازي علي عزازي
(إن الذين يقفون علي الحياد وقت الفتن يفقدون حقهم كمواطنين) هكذا تحدث حكيم أثينا القديم، وهكذا ينطق لسان حال الأمة، في مواجهة الحالة غير المسبوقة من التواطؤ أمام سيناريو الهيمنة الأمريكي وسعار واشنطن في ضرب وتفكيك أمتنا وإبادة شعوبها.. فثمة شبق عولمي لالتهام قطع الجغرافيا العنيدة في منطقتنا، وإيقاف التاريخ عند نقطة الصفر الأمريكي ليبدأ عصر أو قرن الكاوبوي بلا منغصات.. بالأمس بغداد وكابول وسرت والخرطوم واليوم دمشق وطهران، وغدا القاهرة.
في هذا السياق المحموم، تأتي زيارة الصقر الإيراني محمود أحمدي نجاد لرفيقه السوري الدكتور بشار الأسد في دمشق لتزيح غيوم الأزمة قليلا فيتسلل دفء الشمس إلي جسد الثوابت والمواقف المبدئية، ويعود الاعتبار مرة أخري لميزان القوي الإقليمي في مواجهة الحلف الأمريكي الصهيوني التطبيعي.. البلدان محاصران، ومع ذلك لم يكن لقاء القمة محاولة رئاسية لكسر الحصار وتفكيك الضغوط، بل ضربة فنية مزدوجة بلغة المصارعة تحقق في المستوي الأول حصارا للحصار، وفي المستوي الثاني كشفا وفضحا لتبعية النظام الإقليمي للأجندة الأمريكية الغربية. وكان طبيعيا أن يأتي البيان الختامي لقمة دمشق تعبيرا عن اللïحمة الاستراتيجية بين البلدين، فسوريا تدعم حق إيران الكامل في الحصول علي التكنولوجيا النووية السلمية، وإيران تدعم موقف سوريا الرافض للتدخل والضغط الأمريكي الأوربي في أعقاب اغتيال الحريري، ويعكس الاتفاق الكامل بين البلدين عمق العلاقة الاستراتيجية الممتدة لأكثر من 25 عاما، فقد اعتاد المراقبون للقمم الرئاسية بشكل عام علي الصياغات الدبلوماسية التوفيقية، التي تعكس في حقيقة الأمر خلافات كثيرة تحت السطح، لكن البيان الختامي لقمة الأسد نجاد قد عبر عن مواقف مبدئية وعملية في الوقت نفسه، بخصوص الموقف من لبنان وفلسطين والعراق، وهي مواقف لا تحتمل أية تنازلات ولو علي سبيل المرونة التكتيكية فقد اتفق الزعيمان علي دعم المقاومة اللبنانية ورفض التدخل في شئون لبنان وتدويل قضاياه، وأكدت القمة علي حق عودة اللاجئين ودعم صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني، علي أساس أن المقاومة هي الطريق الوحيد لاستعادة الحق المنهوب.
وبخصوص الشأن العراقي اتفق الزعيمان علي ضرورة الانسحاب وفق جدول زمني ودعم الاستقرار في العراق.. القمة التي حازت علي اهتمام العالم أثارت ردود فعل كثيرة، كان أكثرها تحريضا وعدوانية الموقف الأمريكي الذي رأي أن هاتين الدولتين تثيران الازعاج والقلق في العالم، وقد عبر ديفيد وولش مساعد وزير الخارجية الأمريكي عن بلاده تعبيرا فجا يليق بالموقف الأمريكي حين دعا علي قناة LBC اللبنانية لمقاومة ما أسماه بالتدخل السوري الإيراني في شئونهم الداخلية، وأكد أنه بقيامهم بذلك سوف يحظون بتأييد الأسرة الدولية ودعم الولايات المتحدة الأمريكية. وأشار وولش للتداخل بين الملفين السوري والإيراني في الأجندة الدولية.
الاغراء والاغواء الأمريكي لم يقتصر علي تصريحات مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، فالسفير الأمريكي في بيروت تحول إلي مندوب سامي يحرض في وضح النهار ضد سوريا وإيران ممسكا في يده الجزر الأمريكي الرخيص، حتي صار هو الشخص الوحيد في لبنان الذي يستطيع الانتقال والتجول في مختلف البقاع، بينما كل الأطراف والأطياف مسجونون داخل مقراتهم كما أوضح السيد حسن نصر الله في حواره مع الحياة اللندنية الخميس الماضي.
السياق الذي جاءت فيه الزيارة يحمل الكثير من المبادرات والمناورات، فقد سبقتها تظاهرة لبنانية حضرها الآلاف علي مقربة من السفارة الأمريكية في عوكر شمال بيروت احتجاجا علي التدخلات الأمريكية، وأيضا في مواجهة الدعوات التحريضية لقوي 14 آذار التي تحث أمريكا علي التدخل، للدرجة شديدة الصراحة أو الوقاحة التي عبر عنها وليد جنبلاط بدعوته أمريكا لاحتلال سوريا أسوة بالعراق، وتأكيده عدم حدوث أي تغيير في سوريا ولبنان دون تدخل أمريكا والغرب، بالإضافة لوصفه سلاح المقاومة بسلاح الغدر.. كل تلك الممارسات والتصريحات المتردية سياسيا ووطنيا وقوميا تصب في صالح الموقف السوري واللبناني الداعي للصمود ورفض التدخل.
من جانبها قامت سوريا بالإفراج عن معتقلي (ربيع دمشق) سيف والحمصي والبني وعيسي وفواز، وصرح مصدر سوري بإمكانية لقاء بشار مع لجنة التحقيق إذا كان ذلك سيساعد في كشف حقيقة اغتيال الحريري، أما المعارضة السورية سواء في الداخل أو الخارج فقد رفضت بشكل قاطع الأجندة الأمريكية ومنطق الاستقواء بالخارج وقد عبر عن هذا الموقف تصريحان أحدهما لحسن عبد العظيم المتحدث باسم التجمع الوطني الديمقراطي، حين أشار إلي أن التجمع صاحب مشروع وطني له معايير ومنها عدم الاستقواء بالخارج. أما التصريح الثاني والذي يضرب سيناريو المؤامرة الأمريكية الأوربية في مقتل فكان لرامي عبد الرحمن المتحدث باسم التيار السوري الديمقراطي والذي يتخذ من لندن مقرا له فقد رفض الدعوات المشبوهة لاحتلال سوريا وأذاع رامي سرا فاضحا حين كشف عن تلقي التيار عرضا لدعم مالي كبير من أجل تنظيم مؤتمر شامل للمعارضة السورية بالخارج، وأكد المتحدث باسم المعارضة رفض التيار لتنظيم مؤتمر بأموال مشبوهة لأنه لن يخرج إلا بنتائج مشبوهة تضمر الشر لسوريا وتعمل علي بث الفرقة داخل المجتمع السوري لتحقيق أهداف خفية. وأضاف عبد الرحمن أن التيار يزمع عقد مؤتمر في دمشق لبحث قضايا الإصلاح ورفض التقسيم والطائفية.
أما الإخوان المسلمون المعارضون للسلطة السورية فقد أعلنوا علي لسان المراقب العام للإخوان علي صدر الدين البيانوني أن مجموعة إعلان دمشق التي تضم معظم الأطياف السياسية تنادي بتغيير ديمقراطي سلمي لا علاقة له بالأجندة الخارجية.

كل المؤشرات التي تتعلق بالقوي السياسية السورية تتمحور حول ضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي انطلاقا من أجندة وطنية داخلية، وهو ما يجعلنا نستدعي مقولة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: (إن أي وطن لابد له أن يتحاور مع نفسه قبل أن يتحاور مع الآخرين) فسوريا تلك الدولة العربية التاريخية حاملة لواء الحضارة جديرة في هذه الأيام العصيبة بحوار وطني جاد لا يستثني منه أحد يتمخض سريعا عن مشروع إصلاحي ديمقراطي وتوافق سياسي عام سوف يكون بمثابة سلاح الردع النووي الذي تتكسر علي سطحه كل الضغوط والاختراقات، وإذا كانت دمشق قد اهتمت طوال عقود طويلة بقدرات قادتها علي صياغة وتطوير مواقفها الخارجية اعتمادا علي ثوابتها الوطنية والقومية وعلي مهارات دبلوماسييها، فقد آن الأوان للالتفات إلي تمتين البناء الداخلي لمقاومة التغلغل الاخطبوطي العولمي بأذياله وطابوره الخامس، فقد كان سيناريو الهيمنة الأمريكي في مواجهة سوريا يعتمد علي حصار وتقزيم الدور السوري خارجيا سواء بالمثلث الاستراتيجي (إسرائيل الأردن تركيا) أو بصياغة تحالفات لبنانية وممارسة ضغوط كبيرة لإبعاد دمشق عن الساحة السورية الفلسطينية . والتصور الآن أن السيناريو انتقل من حصار الخارج لتفكيك الداخل بالتحريض واللعب الطائفي والرهان علي خصوم النظام، واستخدام ما يسمي بالمجتمع الدولي لافتراس الانحيازات السورية.
المبادرات والمناورات مستمرة لكنها تصب موضوعيا في خانة الصمود السوري والإيراني، فالتصريحات التي تتوالي عن قرار إزاحة النظام السوري توازيها تصريحات بتوجيه ضربة لإيران، عبر عنها سكوت رايتر بقوله: إن قرار توجيه ضربة لإيران قد اتخذ بالفعل وفي انتظار التوقيت .لكن بالرغم من كل هذه التصريحات إلا أن المناخ يبدو غائما جزئيا لا كليا فأمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان يؤكد تعهد سوريا بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، وفي هذا السياق يأتي الموقف الروسي والصيني، ومازال الموقف من إيران لم يحصل لحد التدويل بما يتطابق مع الرؤية الأمريكية القائمة علي استباق الحوار والأحداث لمواجهات ناعمة وصلبة. واشنطن من جانبها لا تتشاور مع أصدقائها في معالجة الأزمات الدولية فاتخذت منذ أربعة أيام قرارا مرتبكا ومضحكا بتجميد أرصدة آصف شوكت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السورية، والطريف أن شوكت ليست له أرصدة مالية في أمريكا لكي تقرر وزارة خزانتها تجميد أمواله، ولذلك فقد اعتبر القرار سياسيا إعلاميا يهدف لممارسة الضغوط النفسية وإبقاء الملف في حالة ملتهبة، لكن قرار التجميد المرتبك قد أعطي لشوكت وساما وطنيا وقوميا دون أن يقصد أصحاب القرار، فقد اتهموه بإدارة أعمال إرهابية ضد إسرائيل في لبنان. القاهرة والرياض تمارسان دورهما وسط ضغوط هائلة من الولايات المتحدة الأمريكية، فقدما مبادرة اعتبرها السنيورة رئيس وزراء لبنان ورقة لا تلبي الطموحات اللبنانية.
أما تل أبيب التي تلتف حول سرير شارون العاجز وحزبه الجديد (كاديما) فتبدو في حالة ترقب وانتظار لما ستسفر عنه الضغوط الأمريكية وهو الموقف الشبيه بصمتها الاضطراري قبيل غزو العراق بناء علي تعليمات الحليف الأمريكي، رغم أنها لاعب رئيسي تحوطه الاتهامات من كل جانب، فهي الدولة التي لم تلتزم بأكثر من 45 قرارا دوليا صادرا عن الأمم المتحدة وهي الدولة التي تمارس الإرهاب المنظم والاغتيالات في كل بلاد العالم دون أن تطولها يد العدالة الدولية والفصل التاسع من ميثاق الأمم، وبرغم أصابع الاتهام التي تشير إليها بخصوص اغتيال الحريري إلا أن لجنة التحقيق الدولية لم تتطرق إليها، وهي الضالعة تاريخيا في مسلسل الاغتيالات في بيروت وفلسطين وتونس وقبرص و.. و.. إلخ، وهي تعترف رسميا بذلك دون أن يطالب المجتمع الدولي بمحاكمة جنرالاتها.
خلف كل هذه السياقات بكل مناوراتها ومبادراتها تأتي زيارة رئيس دولة الصحوة لدولة الصمود لتؤكد أن المقاومة هي الخيار الوحيد بل والممكن والعملي وأن البلدين مازالا يملكان من الأوراق الكثير.




مجلة  الاسبوع  المصرية

23/01/2006